الشذرات جملة ما للنبي من غزوات لسعيد الحارثي
الجزء ١ · صفحة ١٢40ـ غزوة تبوك، وهي التي سميت العسرة في شهر رجب السنة التاسعة، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الروم، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج فيغزوة إلا ورى بغيرها إلا هذه الغزوة، فإنه صرح لهم بها لما فيها من بعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يقصدونه، ولما في هذا الوقت من عسرة في الناس وشدة من الحر، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلهم. فانتدب من أهل الإيمان بالرغم من كل ما يلقونه من الشدة، وتخلف من تخلف من المنافقين حسب ما حكى القرآن الكريم عنهم، والثلاثة الذين تخلفوا تابوا ففازوا برضى الله عنهم، وذلك فائدة الصدق وقلت في الأرجوزة التي قلتها في رحلة إلى الشام لما مررت بتبوك:
لله جيش العسرة المظفر
أكرم قوما عنه قد تأخروا
فيا لسحط أعقب الرضوانا
ويالذنب أورث الجنانا
فالصدق أن صاحبه الإخلاص
حصل من بينهما الخلاص
فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تبوك بضع عشرة ليلة، صالحه أهلها على أداء الجزية، ثم انصرف قافلا إلى المدينة.
41ـ وفي هذه السنة التاسعة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر - رضي الله عنه - أن يحج بالناس، وبعد مسيره نزلت سورة براءة، وبحيث أنه لا يمكن أن يؤديها إلى الناس إلا رجل من أهل بيته أرسل بها إلى علي بن أبي طالب، فقرأها على الناس يوم النحر وكانت الوصية أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فهو له عهده إلى مدته، كما جاء في السورة الشريفة. وسميت سنة الوفود، لأن العرب دخلت في دين الله أفواجا بعد فتح مكة، وكانت العرب تنظر إلى هذا الحي من قريش، فلما لم يبق معارض من قريش وأخزى الله من أخزى منهم بالقتل، عرف العرب أنه لا طاقة لهم بعد ذلك بالمعارضة، ونزلت سورة النصر.