الدعاية إلى سبيل المؤمنين لأبي إسحاق اطفيش-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٧قول بعض المفسرين في قوله تعالى: (لاتحرموا) لا تقولوا حرمنا على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا. وقد سمى الله تعالى ذلك اعتداء على حدوده فقال: (ولا تعتدوا) على حدود الله أو على أنفسكم بحرمانها مما أباحه الله من اللذائذ، فإن لأنفسكم عليكم حقا، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة / 93)
أي استمروا على التقوى وتحروا حسن الأعمال وأفضلها وأحسنوا إلى الناس، لما اشترط الله تعالى لانتفاء الجناح عمن طعم مستلذات المطاعم حصول التقوى والإيمان فيه مرتين وفي المرة الثالثة حصول التقوى والإحسان اتجه أن يقال، ما الحكمة في تكرير اشتراط التقوى والإيمان فيه وعطف أحد المكررين على الآخر بثم الدالة على التراخي ولا تراخي بين الشيء وبعضه، فأجيب بأن التكرير للتاكيد كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر / 4،3)
والتحقيق إن التكرير للتأسيس كما جرى عليه قطب الأئمة(1) شيخنا في تفسيره الكبير (هيميان
(1) هو الإمام الكامل مجتهد القرن الرابع عشر بين المعقول والمنقول قطب الائمة شيخنا محمد بن يوسف اطفيش (رضي الله عنه) صاحب المؤلفات الكثيرة والتصانيف العظيمة الذي بخل الدهر بمثله في القرون الأخيرة، ولد (رحمه الله) عام ألف وماتين وستة وثلاثين هجرية ونشأ في معهد العلم والتربية الفاضلة، توفي جدنا والده رحمه الله وهو صغير، وكفلته الوالدة، وشاهدت فيه النجابة والذكاء والفطنة وهو في سن لم يعهد فيه لأمثاله تلك الصفات، عهدت به إلى أحد المؤدبين فختم كتاب الله في مدة وجيزة ثم اشتغل بالعلم وحضور مجالس العلماء حتى قدم أخوه جدنا (رحمه الله) من رحلته في طلب العلم بمصر فعكف بين يديه مجدا حتى فاق أقرانه ثم اشتغل بالتدريس حتى ظهر على كل علماء عصره وبلغ درجة الاجتهاد وصار هو المرجع وكان نادرة الذكاء والاجتهاد وكان يحضر قبل ذلك على العلامة المفضال الشيخ أي عيسى اشتغل بالتدريس والتأليف قبل عشرين سنة من عمره، وفسر القرآن ثلاثا، وألف في التوحيد والفقه والحديث والبلاغة والنحو والصرف والفرايض والعروض والفلك والتاريخ والحساب والمنطق، تآليفه تجاوزت ثلاثمائة مصنف بين كبير وصغير وحج مرتين، ومن اجتهاده كان يؤلف في السفينة حريصا على دقايق عمره لا تجده إلا في تدريس أو تأليف أو في لوازم الدين أو ضرورات الحياة شديد المقاومة للبدع آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر شديد الغيرة على الدين لا يخاف في الله لومة لائم ذا هيبة ووقار وسخاء وإخلاص لله وتبتل محدثا ومروعا يلقي في روعه فيحدث فيقع ما حدث به ولا غرو فهو من أولياء الله ذاع صيته حتى صار مرجع المسلمين في جميع أقطار الاسلام في مشكلاتهم ترد إليه الاسئلة منها، ولو جمعنا أجوبتها لبلغت المجلدات العديدة وكان ذا منزلة سامية لدى الملوك كالسلطان
(عبد الحميد الثاني) وسلاطين عمان وزنجبار وأهدوه بأوسمتهم اعترافا بمنزلته السامية في العلم والدين تبرز عنه العلماء الفطاحل أخص من بينهم ذلك السري الفخيم سليمان باشا الباروني، وبالجملة كان آية التحقيق والتدقيق والتضلع في سائر الفنون وناهيك بتآليفه في أكثرها، انتقل إلى عالم الأرواح عند تنفس الفجر يوم السبت 23 ربيع الثاني 1332هـ وقد اشبعنا الكلام على حياته الشريفة ونسبنا الفخيم الحفصي العدوي في تاريخنا له عنه (الأقوال السنية في حياة قطب الأئمة) إن ساعدتنا الأقدار فنمثله للطبع، نسأله سبحانه تحقيق الرجاء، والعدوي نسبة إلى بني عدي القبيلة العمرية، قال في أرجوزته:
مع اجتماع في عدي بعمر وبالنبي في لؤي وزمر