الدعاية إلى سبيل المؤمنين إبراهيم بن امحمد بن إبراهيم بن يوسف بن عيسى اطفيش أبو إسحاق

الدعاية إلى سبيل المؤمنين لأبي إسحاق اطفيش-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٧

والعقائد الدينية، كيف وبعض المسائل الشرعية ينبني عليها كتعدد المشارق والمغارب، واختلاف المطالع وسمت القبلة وأوقات الصلاة وانتفاء وقت العشاء في بعض المواضع وغير ذلك.

وأما قوله تعالى: (وهو الذي مد الأرض)،فقد قال الإمام الرازي في تفسيره: (ثبت بالدليل أن الأرض كرة، ولا ينافي ذلك قوله تعالى):مد الأرض) لأن جميع الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها يشاهد كالسطح).اهـ

لهذا الفن ارتبط بفن التاريخ، وهو عمدة فيه، ولا يتسنى لكاتب أو متكلم فيه أن يكتب أو يتكلم ما لم يكن له علم الجغرافيا، به يأمن الخطأ في الكلام على البلاد والأمم وما بين بعضها والبعض من الروابط، ولا بد له أن يعرف أقسام الأرض وما عليها من الأمم والممالك وأحوالها، ونسبة بعضها إلى بعض كما أن المشتغل بعلم أقسام الأرض وتقويم البلدان لا بد أن يكون عارفا بالتاريخ حتى يستقيم له وصف أقسامها وأقاليمها وصفا صحيحا وإلا كانت أعماله سدى وكلامه لغوا(1).

(1) من العلماء من يعد هذه الفنون من العلوم الأجنبية التي لاينبغي للمؤمن أن يشتغل بها ولا حجة لهم إلا أنها لم تكن من معلومات أسلافنا، وهذا من الأوهام والجمود بمكان، هؤلاء لم يخل منهم عصر، فقد كانوا في عصر النبوغ والاستنباط يطعنون في الفنون العربية الحديثة إذ ذاك، كالبلاغة والنحو والصرف والشعر، كما ذكر الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز، مع ما في هذه العلوم من حقائق أسرار العربية وإبراز أسرار التنزيل ودقائق التأويل المعجزة لفحول بلغاء العرب، وقد شن غارة شعواء عليهم إمام الفن في كتابه وما ذلك منهم إلا بما تكنه صدورهم من الحسد لكل من ظهر بفضيلة وهم عنها بعيدون

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم

ولع الناس بامتداح القديم وبذم الحديث غير الذميم

ليس إلا لأنهم حسدوا الحي ورقوا على العظام الرميم

ما أوهى تعليلهم! وما أشنع حجتهم! على أن عدم اشتغال الأسلاف بتلك الفنون لا يدل على بطلانها ومنابذتها للدين كما قدمنا، بل قد كتب فيها فطاحل من المسلمين كما رأيت وتراه، كالإمام أبي يعقوب والإمام الغزالي وابن رشد والرازي وسعد الدين وأضرابهم، قاتل الله الحسد والجمود.

٤٧ / ١٨٤