الدعاية إلى سبيل المؤمنين لأبي إسحاق اطفيش-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٩بل هجرت دراسة كتب الحكمة؛ لوجود مسائل هندسية وطبعية لا يدركها من لم يكن له إلمام بفنهما، وإذا تعاطى تدريسها فإنما هو كسالك في الدجى أو داخل لجيا لا يدري السباحة.
من الكمال الواجب أن يتعلم العلماء وطلاب العلم شيئا من الهندسة، بل شيئا من كل علم على قدر ما تسمح به الظروف، لا أقول إن الهندسة كالحساب ولا كالجغرافية ولا كالتاريخ، ولكن أقول إنها كمال وإن منها قدرا لازما(1).ولنذكر لك ما ينثلج به صدرك، ويتنور به ذهنك من كلام الإمام وضياء الدين ممزوجا قالا: (ورأس العلم أي كل علم البرهان المنطقي، وغيره من العلوم فروعه؛ لأنه آلة وخادم لجميعها، والبرهان من حيثما دار يتعلق بثلاثة علوم أولها العدد وثانيها (الهندسة) وثالثها المنطق)) (ضياء الدين) مرتبة المنطق أن يقرأ بعد تهذيب الأخلاق وتقويم الفكر ببعض العلوم الرياضية من الهندسة والحساب.
(الإمام) إعلم أن الهندسة من العلوم الضرورية، كلما شهدت به فهو حق عند الله تعالى، واعلم أن العدد تكييف الأزمنة، والهندسة تكييف الأمكنة والدنيا والأخرة هما الأزمنة والأمكنة، والهندسة هي معرفة المقادير والأبعاد والأنواع وخواص تلك
(1) من كتاب العلم والعلماء أول سفر في التعاليم الإسلامية ببعض تصرف.