الدعاية إلى سبيل المؤمنين لأبي إسحاق اطفيش-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٠وصل بهم إلى حد أن تضرب بهم الأمثال وتلوكه الألسنة في المحافل، وتتخذ بعض مكتوباتهم سخرية واستهزاء بين الناس.
وإنك لتشاهد متى وجهت فكرك إلى الحالة العالمية اليوم وقبيله من التاريخ مكانة للصحافة عظيمة وبأسا شديدا حتى إن الحكومات لتخشاها وتعنو لها في الموقفين: الاستحسان والانتقاد، وحتى صارت هي مسند كل مظلوم ولسان الشعوب التي راج فيها عكاظ الآداب، وراضت أذهانها في حدائق المعارف، بل وأصبحت لسان
الحكومات تبشر وتنذر بها وترغب وترهب، ولسان أرباب الصنائع والمبتككرين تشهر تجارتهم ونتائجهم وتجلب لهم الرفاهية، ولسان المصلح الداعي إلى مسالك الفوز، وصوت المرشد إلى أذهان الغافلين ورسول الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر العامل لإعلاء كلمة الله، والرقيب الحارس للأمة من غوائل الأعداء ودسائس الكائدين ومفاسد الأخلاق وقبائح العادات، كل ذلك بفضل القلم والإنشاء، وتجد التأثير وتصوير الحقائق بما هو مطابق للواقع بقدر رسوخ أربابها في الصناعة وحوك المعاني(1)
(1) لم تزل فكرة ذم الصحافة تدب في أفكار الغافلين ويستدلون على ذلك باشتغال بعضها بالأعراض ونشر الموبقات، ولم يلتفتوا إلا إلى جانب العوارض فخفيت عنهم الذاتيات، ولو علموا أن الصحافة بيد غيرأهلها كالسيف الصقيل بيد الصبي، وكالثروة بيد المتهتك والحكمة، عند من لا يعرفها لما عابوا الشمس في رابعة النهار، نعم إن الحكومة الغشمة تمنحها غير أهلها لتكون لها الة ولا تكون سدا حائلا دون مقاصدها الخبيثة وهذا غير قادح في الصحافة.