الدنيا والآخرة في الميزان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدنيا والآخرة في الميزان لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٢

أما هذه الدار وهي دار الدنيا فإنها دار يشاب نعيمها ببؤس وراحتها بتعب وصحتها بسقم وحياتها مهددة بفناء، وهذا أمر محتوم لابد منه، أما الدار الآخرة فإنها إما أن تكون نعيما لا بؤس معه، وإما أن تكون بؤسا لا نعيم معه، وأيضا الدار الدنيا محدودة إذا ما قيست بالدار الآخرة.

عمر الإنسان محدود

والإنسان في الدنيا عمره محدود، ويخيل لنفسه أنه سيعيش معمراً، ولكن أمده –في الحقيقة- محدود، فمن خيّل إليه بأنه سيعيش عمراً مديداً فإن ما يتخيله من العمر لا يزيد على مائة عام تقريباً، ولينظر فيما مضى من هذا العمر وما بقي، فإن كان ابن عشرين فإنه لم يبق له من هذه المائة التي يتخيّل أنه سيعيشها إلا ثمانون، وإن كان ابن ثلاثين فإنه لم يبق له منها إلا سبعون، وإن كان ابن الأربعين فإنه لم يبق له منها إلا ستون، وإن كان ابن خمسين فإنه لم يبق له منها إلا خمسون؛ وهكذا.

ولينظر الإنسان إلى هذه المدة التي يتخيل إنه سيعيشها، ما هي؟ وذلك من خلال إلى الأمور الدورية التي تتكرر في كل عام؛ كشهر رمضان المبارك، ومطلع العام، وشهر ربيع الأول، إلى غير ذلك مما يتكرر كل عام، لينظر من مناسبة في عام إلى مناسبة في عام يليه، يجد أن هذا العام كأنما هو لحظة من اللحظات.

والإنسان إن أمهله الأجل لم يمهله الهرم، قال تعالى: ﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُون ﴾(1) فالإنسان مثله مثل نبتة الأرض، التي تنضر صغيرة وتأخذ في النماء شيئا فشيئا إلى أن تستوفي نماءها، ثم تأخذ في الذبول شيئا فشيئا، وهكذا الإنسان تأخذ قواه وملكاته تتنامى شيئا فشيئاً إلى أن تنتهي إلى الحد الذي حده الله تبارك وتعالى للإنسان، ثم تأخذ بعد ذلك في الانتكاس فينقص من الإنسان كل ما أوتي؛ سمعه وبصره وقواه البدنية والفكرية؛ وهكذا، إلى أن ينتهي وجوده على ظهر هذا الكوكب المظلم.

بين الدنيا والآخرة

(1) يس / 68.

٢ / ٢٢