العقيدة القضية الكبرى في حياة البشر لعاشور كسكاس (ط2)
الجزء ١ · صفحة ٤٢… والإيمان بما أعده الله تعالى من وعيد شديد لكل من خالف أمره واتّبع هواه يربي في المومن عزيمة صلبة تجعله قادرًا على ضبط دوافع النفس، وصامدًا أمام ناداءات الغريزة، فيكون ذلك حصانة له من الفواحش والموبقات، ويسامى بنفسه عليها، فيوجه طاقاته آنذاك إلى الإصلاح ونشر فضائل الأخلاق.
… وهذا أبو حمزة الشاري يصف أصحابه بالتُّقى والعفاف، مبرزا أثر الإيمان بالجنة والنار في نفوسهم التي أصبحت تتطلع إلى ما عند الله وتؤثر ذلك على زخارف الدنيا، فيقول: «كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقًا إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه»(1) .
… وهكذا فإن الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الدين، وضرورة من ضرورات الحياة السعيدة للمسلم.
… 4 ـ الإيمان بالقدر وآثاره التربوية
… الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، يجعل المؤمن يشعر بأن الأمر كله لله تعالى، فينشئ الصلة الوثيقة بين المسلم وربِّه، فيعلم أن لله صفات العلم الواسع، والإرادة الشاملة، والقدرة الكاملة، وأنه سبحانه فعال لما يريد، عالم بما يفعل. ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس/61]، كما أنه يشعر باستقلال إرادته، فيما يباشر، من أعمال في حدود إمكاناته، وبتيقظ عقله وحركة ميوله ورقابة ضميره.
… وأمام هذا الشعور بالحرية، يعرف حجمه أمام عظمة الله تعالى، فيدرك أن الله تعالى منحه حرية الإرادة ليتصرف في حدود هذا الكون بما يحقق له ذاته، ويضمن له عزته، فيتحمل مسؤولية الخلافة كاملة.
(1) ـ من خطبة لأبي حمزة الشاري. الجاحظ، البيان والتبيان: ج2، ص122، ط: دار الجيل بيروت.