الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩١وتروي كتب السيرة أمثلة حية تدلّ على أن هذه الأخوة عقد نافذ لا لفظ فرغ تجلت فيه عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة، فما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة.
ومقابل هذا الحرص وهذه الحفاوة البالغة التي أظهرها الأنصار لإخوانهم المهاجرين فإن الآخرين قد قدروا هذا البذل الخالص فما استغلوه ولا نالوا منه إلا بقدر ما يتوجهون به إلى العمل الحر
الشريف.
ولعلّ أروع مثال لذلك، المؤخاة التي تمت بين عبد الرحمن بن عوف المهاجري وسعد بن الربيع الأنصاري الذي عرض على أخيه
في الله نصف ماله وإحدى زوجتيه قائلا:
>
إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك قسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال (عبد الرحمن): بارك لله لك في أهلك ومالك ومن أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب (1) إلا ومعه فضل من إقط وسمن ثم تابع الغدو، ثم جاء يوما وبه أثر صفرة (3) فقال النبي: مَهيَم (4) قال: تزوجت ـ قال: كم سقت صلى الله عليه وسلم إليها؟ قال: نواة من ذهب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو لم ولو بشاة.
(2)
(4)
(البخاري)
(1) انقلب: رجع:
(2) إقط: شيء يتخذ من المخيض الغنمي.
(3) صفرة: زعفران.
(4) مهيم: ما حالك وما شأنك؟
191