شذا من السيرة أحمد بن مهني مصلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٤٨

غزوة تبوك

(رجب - السنة التاسعة للهجرة)

الاستعداد للغزوة:

كان من سياسة الرسول القائد إذا علم أن قوما هموا بغزوه أن يبادئهم قبل أن يغزوه، وقد بلغه عن طريق الأنباط (1) الذين يتاجرون بين الشام والمدينة استعداد الروم للإغارة على المدينة، وأن هرقل قد هيأ جيشا بأربعين ألف مقاتل واستنفر متنصرة العرب من لحم وجذام وغسان وعاملة فجندهم وعبأهم ورزق أصحابه لسنة وأعد قواته للمواجهة حتى وصلت مقدماتهم البلقاء فعسكروا بها.

وبادر الرسول القائد بالاعلان عن عزمه على مواجهة الروم وكسر الشوكة المتبقية في جزيرة العرب بعد القضاء على اليهود في خيبر وعلى المشركين بعد الفتح وهوازن وحنين. وقد كان صلى الله عليه وسلم قلما يخرج لغزوة إلا ورى. بغيرها ليعمي الأخبار على الأعداء إلا في هذه فإنه جلى وجهته وأخبر بمقصده لصعوبة المواجهة وبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو حتى يأخذ الناس عدتهم لقتال بني الأصفر خاصة وقد طابت الثمار والناس يحبون المقام في شمارهم وظلالهم ويؤثرونها على الجدب والحر والعسرة لذلك أعلن الرسول القائد بوضوح أنه يقصد غزو الروم، وأرسل يستنفر القبائل ويحثهم على

الجهاد

فبعث بريدة بن الحصيب إلى الفرع وأبارهم الغفاري إلى قومه بني غفار وأبا واقد اللبثي إلى قومه وأبا جعدة الضمري إلى قومه بالساحل ورافع بن مكيث إلى جهينة، ونعيم بن مسعود إلى أشجع، وبديل بن ورقاء والأبسر بن

(1) الأنباط: قوم ينزلون السواد والبطائح بين الشام والعراق.

-