في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٥٣الدرس الخامس عشر(1)
[موضوعه: زيادة القول والبيان لما قام به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أعمال تمهيديّة لتأسيس الدولة الإسلاميّة في المدينة، مع بيان غدر اليهود وخبثهم ونكثهم للعهود].
[سرّ الاجتماع في المساجد] :
سرّ الاجتماع في المساجد
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
لا زال الكلام متّصلا في ما نحن فيه من هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة.
من أوائل الأعمال التي قام بها - صلى الله عليه وسلم - تأسيسُ مسجد قباء وتأسيسُ مسجده(2) ، فمع هجرته - صلى الله عليه وسلم - شُرعت الجماعة.
وأسّس أهلُ كلّ حيّ مسجدا لكي تسهل الصلاة للضّعاف وكبار السنّ والعجزة الذين لا يستطيعون أن يقطعوا عدّة كيلومترات إلى المدينة في خلال أيّام الأسبوع [لأداء صلاة الجماعة]، فسنّ لهم ما لم يكن من قبل، وهو الاجتماع؛ لكي تزداد الصِّلات توطّدا بينهم، وتمتُن المحبّة والأخوّة والوداد بينهم في ذلك الاجتماع، وإن كانوا من قبل يجتمعون في سقائفهم كما ذكرنا، وبقيت محفوظةً للتاريخ سقيفةُ بني ساعدة، وقد أشرت في درس مضى إلى أنّ أهل جميع البلاد الإسلاميّة في القديم يتّخذون في كلّ حيّ من أحيائها ملتقى لجماعة [أهل ذلك] الحيّ، ويكون مسقوفا يتّقون فيه حرّ الصيف وبرد الشتاء، وهذا معروف منذ قرون وقرون، ولا يزال إلى اليوم موجودا [كما هو الحال] في أقرب البلاد إلينا(3) .
(1) … ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 27 ربيع الثاني 1392هـ الموافق لـ 9 جوان 1972م.
(2) … «وهو مسجده المعروف الآن»(من كلام الشيخ).
(3) … «كوارجلان وقراها، ووادي ريغ وقراها كذلك، فيها هذه الجماعات، ويعبّرون عنها بالعامّية: ”لَجْمَاعَتْ“، وكما هو عندنا أيضا، إذ توجد في بعض الأحياء سقائف فيها بعض الدكاكين يجلس عليها الشيوخ العاجزون، وهذا أمر جيّد. وهنا أفتح -كما يقولون- قوسا وأقول كلمة دائما أتفكّر فيها وتخطر ببالي وتحزّ في قلبي وأرجو أن تتمّ منذ أن هدمت بعض هذه الدكاكين منذ خمس عشرة سنة. وما هي هذه الكلمة؟.
… يوجد في بعض الشوارع الواسعة وبعض السقائف دكاكين يجلس عليها شيوخ تلك الأحياء يروّحون عن أنفسهم، فلا يستطيع الشيخ أن يبقى في بيته طول النهار، سيضيق خاطره وسيرغب في الخروج والالتقاء بالعاجزين أمثاله من الشيوخ، فلا بأس على هؤلاء ولا يضرّ -لطفا بهم وشفقة عليهم- أن نخصّص لهم بعض الأماكن كهذه، وكلّما مررت بها [بعد أن هدمت] -ولو يوميّا- أتفكّر فيها: يا حبّذا لو أرجعنا الدكان هنا فيجلس فيها الشيوخ، ينزعون الضيق عن أنفسهم كما عرفناهم من قبل.
… وفي بعض الأماكن نُزعت هذه الدكاكين بدعوى: لماذا يجلس هؤلاء في الشوارع؟!.
… أمّا الشباب أصحاب الدماء الساخنة والعيون الساخنة -بتتبعهم العورات- والعملُ يلزمهم، فهؤلاء ننهاهم ولا ينبغي لهم أن يجلسوا في الشوارع، ليس شأنهم، إلا مرورا أو توقّفا لدقيقة مع شخص يقضي له حاجةً، أمّا الشيوخ العاجزون أو المرضى فليسوا كذلك.
… أوليس من الأحسن إذن أن تكون لهم هذه الأماكن يُفَرِّجون فيها ضيق خاطرهم؟.
… وهذه الدكاكين لا تعطّل مارّا أبدا، خير من أن نترك شيوخنا محصورين في بيوتهم، لا يجدون أين يروّحون عن أنفسهم، وخير من خروجهم وجلوسهم على الأرض، لأنّ الدكان دائما يكون محفوظا وبمعزل عن الأتربة والأوساخ.
… فهذه المجالس في الحقيقة ضروريّة عندما نتفكّر في اللطف والحنان والشفقة على شيوخنا، وكلّنا سنصل إلى هذه الحالة لمن أطال الله عمره.
… فلم يخطئ الناس في البلاد الإسلامية باتّخاذهم هذه الجماعات». (من كلام الشيخ).
… الدُّكَّانُ: لفظٌ فارسيٌّ معرَّبٌ، وهو المكان المرتفع يُجلَس عليه، ويُسمَّى أيضا: الدَّكَّة والمِسْطَبَةُ. كما يطلق الدكان أيضا على الحانوت. (انظر: الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي: ص120، مادة: دكك، و: ابن منظور، لسان العرب: ج13، ص157، مادة: دكن).