آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ٢١٤لذا فالجري وراء دقائق المعلومات في معرفة الملائكة والإيمان بهم غير مطلوب من المكلّف ما لم يخطر شئ في ذهنه أو يسمعه فيسأل عنه، ويقول الشيخ اطفيش في ذلك: «والصحيح أن لا شيء عليه حَتَّى يأخذ بالسمع أو بعلم ما أنّه(1) ملك، وأجمعوا أنّ غيره من أفراد الملائكة لا يلزمه معرفته وولايته خصوصا حَتَّى يأخذ، ولزم ولاية جميع الملائكة»(2). ومع هذا يجب الحذر من الإفراط أو التفريط في حقّهم تقديسا أو تنقيصا، بل يُلتزم فيهم ما أمر به الله تعالى ممّا ثبت بالدليل الصحيح(3). وتلك هي الوسطيّة، وهي المطلوبة في مسائل الغيب.
وفي الأخير نلاحظ أنّ الشيخ اطفيش تناول مسائل الغيب بتوسّع في تقرير معلوماتها، وكان يلتزم في تحديدها ما يجب الإيمان به بما ثبت بالدليل الصحيح، قرآنا أو سنّة أو أثرا من علم الصحابة والسلف؛ وقد كان له منهج في الموضوع يقتضي أخذ ظاهر الدليل المحكم، وتأويل ما كان متشابها بما يوافق المحكم، إلاّ أنّه تنبغي الإشارة إلى أنّه في هذا الفصل من مسائل الغيب لم يلتزم الشيخ مذهبه بكلّ حرفيّتة فظهر متساهلا فيِ الاستدلال بالحديث الضعيف في بعض مسائل الغيب، ممّا يتعلّق بقيام الساعة واليوم الآخر والإيمان بالملائكة، ولو التزم منهجه لأغناه عن كثير من التضارب والتناقض بين آرائه، حَتَّى انساق في بعضها إلى الآثار الغريبة البعيدة عن روح العقيدة، فظهر فيها أثر الإسرائيليّات جليّا؛ ومن جهة أخرى قد امتاز الشيخ بتحقيق كون العقيدة تتضمّن القول والعمل حَتَّى في جانبها الغيبيّ الذي يصعب قرنه بالعمل دائما، وتجلّى هذا خاصة في رأيه في معنى الإيمان بالملائكة وولايتهم، وفي حقيقة الصراط؛ وسيظهر هذا الجانب العمليِّ ويتّضح أكثر مع باقي أصول العقيدة في الفصول المقبلة المتعلّقة بالإنسان مباشرة في سلوكه وتصرُّفاته وأوّل ما نتناوله من ذلك الإيمان بالنبوّة.
(1) الكلام هنا عن جبريل u ووجوب معرفته.
(2) - شرح العقيدة: 349.
(3) - المصدر نفسه: 351؛ السالمي: مشارق: 2/ 47.