إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي
الجزء ٢ · صفحة ١٤وقال الجنيد: «الروح شيء استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أَنَّهَا موجودة، وخاض آخرون في بيانها، متأوِّلين للأمر بالكفِّ عن بيانها في قوله تعالى: ﴿قل الروح من أمر ربِّي﴾(1) قائلين: إنَّه عليه الصلاة والسلام أمر أن يقول هكذا ليوافق ما في التوراة، فتكون الموافقة آية لنبوَّته، وذلك أنَّ اليهود أمروا قرشيًّا أن يسألوا عليه الصلاة والسلام عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، وقالوا لهم: إن أجاب عنها كلِّها أو وقف عنها فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبيٌّ، فأجاب عن الأولتين، وأبهم أمر الروح لأَنَّهُ مبهم في التوراة.
قيل: والصحيح أنَّه لم يمت - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ واطلعه الله على ما أبهم عليه من أمر الروح وغيرها، أي مِمَّا يمكن إطلاعه عليه لا على جميع معلوماته تعالى، لأنَّ علم البشر بجميعها محال، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿ولا أعلم الغيبَ﴾(2) قيل لاحتمال أن يكون قال ذلك القول قبل إطلاعه على الغيب، والظاهر لا منافاة مطلقا، أي وإن قالها حال الإطلاع لعموم الغيب وحصول العلم الحادث.
واختلف هؤلاء الخائضون في بيانها على مذاهب، قال سيِّدي نورالدين رحمه الله: «ولا دليل على شيء من هذا كلِّه…» إلى أن قال: «ولا دليل قطعيٌّ على شيء من هذه الأقوال أيضًا، فالواجب التوقُّف…»، حتَّى قال: «وإذا عرفت أنَّه لا دليل للخائضين في الروح سوى التخمين ظهر لك أنَّ الوقوف عن الخوض فيها واجب كما هو مذهب الجنيد، لقوله تعالى: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علم﴾(3) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «وأمر أشكل عليك فقِفْ عنه». أو مكروه كما هو مذهب القائل:
والروح ما أخبر عنه … المجتبى … فنمسك المقال عنها … أدبًا
الأمر التاسع
أنَّ البهائم تسمع عذاب القبر