إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي
الجزء ٢ · صفحة ١٤٧ثُمَّ إنَّ شعيبًا أبا المعروف حرَّض ابن فندين على مناجزة الإمام خشية أن يرجع الرسولان من المشرق فتقوم عليهم الحجَّة فينتقض ما أبرموا، وينفتق ما رتقوا، لأنَّهم زيَّنوا للضعفاء أمورًا، وزخرفوا لهم ما يحسبونهم به محقِّين، فصاروا ينتظرون الغرَّة والغفلة، فخرج الإمام يومًا لبعض حوائجه فانتهزوا الفرصة فبادروا المدينة، فَفُطن لهم قبل دخولها فتلقَّاهم الناس، وكان أفلح بن عبد الوهَّاب يمشط رأسه وقد ظفر منه نحو الشطر وبقي الشطر، فأخذ سلاحه وترسه فوقف لهم على باب المدينة وقد كادوا يدخلونها، ونشب إحدى رجليه على العتبة السفلى من باب المدينة فانسلخ رجلاه إلى العرقوب، وجالدهم حتَّى لم يبق في مدرقته ما يصلح أن يكون وقاية، فأخذ أحد مصراعي باب المدينة فاتَّقى به، وابن فندين بين يديه يضرب الناس يمينا وشمالا، وعلى رأسه بيضتان، فضربه فقسمه نصفين فنشب السيف في الصفا من شدة الضربة.
فلمَّا مات انهزمت أصحابه؛ فقدم الإمام فوجد القتلى على باب المدينة فصلَّى عليهم طمعا في اجتماع الكلمة بعد الفرقة. وقيل عدد القتلى تقرب من اثني عشر ألفٍ قتيلاً. والله أعلم.
فأراد جماعة ردَّ الباب عن المصراع الذي نزع أفلح فلم يقدروا، فقالوا له: أردد ما نزعت! فقال: أرددوا عليَّ غيظي أردُّه.
ثُمَّ تحرَّكت على الإمام قبائل البربر ــ وكانوا على مذهب واصل ابن عطاء، أعني معتزلة ــ وذلك أنَّه لمَّا وقع ما وقع بين الإبَاضِية من انشقاق العصا، وكثُرت القتلى انتهزوا الفرصة لكثرة عددهم وقوَّة شوكتهم، فاعتذر الإمام عبد الوهَّاب إليهم عادته في عدم المبادرة إلى البسط وسفك الدماء مرَّة بعد أخرى، فما زادهم ذلك إِلاَّ شغفًا، وكانت فيهم أبطال، وكان زعيمَهم وحاميتَهم ابنُ قائدهم وسيِّدهم.