الايمان مفهومه وتطبيقاته لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٣٦والإيمان بذلك إنما هو إيمان هو إيمان بحقيقة كبرى يتضاءل معها جميع الحقائق فالإيمان بذلك هو إيمان بمبدأ هذا الوجود بأسره ، بحيث يؤمن هذا الإنسان أن هذا المبدع للوجود كان قبل وجود أي شيء ، وإنما كل شئ هو مسبوق بوجوده سبحانه وتعالى ، وكل ما كان هو مراد له عز وجل ، وكل ما يحدث إنما هو تدبيره تبارك وتعالى ، وكل ما يلامس الإنسان في حياته هذه وفيما بعد هذه الحياة من خير إنما هو من عنده سبحانه ( وما بكم من نعمة فمن الله ) (1) فإيمانه بذلك يستوجب طاعنه سبحانه وتعالى ، لأن الإنسان إن صدق بوجود أحد من جنسه يفوقه قوة وسيطرة ويسيطر عليه في أحواله ،ـ بحيث يتمكن من الأضرار به متى أراد ، ويتمكن من نفعه متى أراد لا بد من أن يدفعه هذا التصديق إلى أن يحاول جهده بأن يتودد إليه يتودد إليه وأن يحاول جهده بأن لا يعمل إلا ما يرضيه . فكيف إذا كان المؤمن به هو الله العظيم الذي خلق هذا الوجود بأسره ، وهو القادر على كل شئ ، فالإيمان به يقتضي الإيمان بأنه قدير ، وبأنه عظيم سبحانه وتعالى متصف بالحياة الأبدية الأزلية ، ومتصف بالسمع المطلق وبالبصر المطلق ، ومتصف بالإدارة المطلقة ومتصف بكل ما هو جدير أن يتصف به من صفات الكمال ، وبأنه هو الذي أخرج هذا الكون بأسره من العدم إلى الوجود وهو الذي طبعه بما طبعه فما كان في هذا الكون أو ما سوف يكون إنما كان بإدارته ولا يمكن أن يكون إلا بما هو مراد له فإيمانه بهذه الحقيقة العظمى يستوجب التفاعل المطلق مع هذه الحقيقة التي آمن بها فيؤدي ذلك إلى أن يطيع الله سبحانه وتعالى ، وإلى أن يتودد إليه هذا مع أن الإنسان كما قلت من قبل من طبعه أن يسارع إلى رغبة محبوبة وقد تتلاشى رغبته مع رغبة محبوبة ، ويغني هواه في هواه ولكن كان ذلك في إنسان مثله . فكيف إذا كان هذا المحبوب هو هذا الخالق العظيم ؟