الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله، وإنما اختلفوا في تفاصيل هذا الإيمان.
ويرجع هذا الاختلاف إلى أمرين:
أولهما: التفاوت في فهم النص وتأويله حسبما يترجح أنه المراد.
ثانيهما: تحفظ بعض الفئات من بعض النصوص التي لم تصل إلى درجة القطع، إما لريب في نقلتها ونقلها وإما لمعارضتها بما هو أقوى منها في نظر المتحفظين في حين أن الفريق الآخر يكون مقتنعا بتلك النصوص فيعتد بها ويعول عليها، وثم أمر آخر له مساس بكلا الأمرين وهو الاختلاف في ترجيح النص على العقل أو العكس، فمن طوائف الأمة من بالغ في تقديس العقل حتى جعله الأصل في فهم الدين، وضرب بكل نص خالفه عرض الحائط إن لم يمكنه تأويله بما يتفق مع المفاهيم التي استقر عليها عقله؛ ومنهم من أهمل جانب العقل فلم يستبصر بنوره في فهم مقاصد النصوص، وإنما اكتفى بالانسياق وراء ظواهر ألفاظها فاقتنع بالشكل دون المحتوى؛ ومنهم من وفق للتوسط بين أمرين فجمع بين النص الثابت والعقل السليم.
وإن من يمعن نظره في التراث الإباضي الفكري- متجردا عن العوامل النفسية والمؤثرات الوراثية- يدرك كل الإدراك أن الإباضية أكثر فئات هذه الأمة اعتدالا وأسلمها فكرا، وأقومها طريقا وأصحها نظرا، وأصفاها موردا ومصدرا.
فهم لم يلقوا بالعقل في زوايا الإهمال لأن الله خاطب بوحيه أولي الألباب ونعى على قوم لا يستخدمون عقولهم في فهم الحق ودرك الحقيقة، ونادى عليهم بالخذلان، وسجل عليهم بالخسران، كما هو واضح في كثير من آيات الفرقان، غير أنهم لم يرفعوا العقل فوق مستواه ولم يعطوه أكثر مما يستحق فلم يؤثروه على النص، وإنما جعلوه وسيلة