البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥

تقديم الأستاذ محمد الطالبي

بسم الله الرحمن الرحيم

وأفضل الصلوات على خاتم الأنبياء والمرسلين.

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران3/ 103)

لكن، بالرغم من تحذير القرآن، تفرق المسلمون، وكفر بعضهم بعضا، وأهرقوا دماءهم بأيديهم، وما زالوا يهرقونها …

ولقد ورد بالمدونة الكبرى، برواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك، إمام دار الهجرة، ما نصه:

" قلت: أرأيت قتال الخوارج، وما قول مالك فيهم؟ - قال: قال مالك في الإباضية والحروية، وأهل الأهواء كلهم: " أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا". قال ابن القاسم: وقال مالك في الحرورية وما أشبههم:" إنهم يقتلون إذا لم يتوبوا إذا كان الإمام عدلا." فهذا يدلك على أنهم إن خرجوا على إمام عدل، وهم يريدون قتاله ويدعون إلى ما هم عليه، دعوا إلى الجماعة والسنة، فان أبوا قتلوا." (المدونة الكبرى، ط. مصر 1323،ج 2ص47).

كان عبدالله بن إباض الذي ينسب إليه المذهب الإباضي مسلما مخلصا، ويعد المذهب الذي وضع أسسه من أقدم المذاهب الإسلامية، إن لم يكن أقدمها كلها. ولم يكن مالك، إمام دار الهجرة، أقل منه إخلاصا إلى الإسلام وغيرة عليه. وكان ابن القاسم من أتقى أصحاب مالك وأصدقهم ورعا، ولم يكن سحنون، الذي عنه دون المدونة، يقل عنه تقي وورعا.

لكن الحقيقة المرة تبقى هي: استحل مالك دماء الإباضية ومن يدعوهم بأهل الهواء. واستحل بصفة أعم أهل القبلة، على ورعهم وإخلاصهم في كثير من الأحيان، دماء بعضهم بعضا، وتلاعنوا مليا، وعوض أن يعتصموا بحبل الله جميعا، ويتحابوا فيه وفيهما بينهم، تفرقوا، وتقاتلوا، وتجاذبوا الله كل إلى جانبه، واغتصبوه كل إلى نحلته.

فما الحل؟

وما زالت موجات التكفير سائدة إلى يومنا هذا، والدماء سائلة؟ ّّ!

لا يملك أي فرد منا بمفرده، ولا تملك أي مجموعة إسلامية وحدها مهما ضاقت رقعتها أو اتسعت، حلا سحريا، ما لم تتطور العقليات، وتنشرح الصدور إلى السماحة، والتسامح، واحترام آراء المخالف.

ولا شك أن الدراسات المقارنة لمختلف المذاهب الإسلامية مما يعين على تطور العقليات، وانشراح الصدور إلى التسامح والاحترام المتبادل، بفضل ما توفره هذه الدراسات من فهم أعمق، وأكثر إنصافا وموضوعية لآراء الموالين والمخالفين.

وتنصهر الدراسة التي قام بها الأستاذ فرحات الجعبيري ضمن هذه الدراسات المقارنة. فلقد استطاع، بأقصى ما يمكن من الموضوعية التي لا تخل باعتقاد المعتقد ولا تشوه معتقد غيره، أن يقارن بين أصول الإباضية، وإليهم ينتمي سلوكا ومذهبا، وبين مقالات مخالفيهم، مع توخي الاختصار، والاقتصار على أمهات المسائل، حتى تبقى الدراسة في حدود معقولة كيفا وكما.

ونحن نعتقد أن الدراسات المقارنة، وقد فتح بابها منذ قرون كل من كتب من علمائنا في "مقالات الإسلامية" و"الملل والنحل"، هي طريق المستقبل، لا فقط داخل أسرنا الإسلامية على اختلاف اجتهاداتها، بل أيضا في مستوى كل عائلات أهل الإيمان على اختلاف أديانهم ومللهم ونحلهم. فهذه الدراسات- إذا ما روعي فيها هدوء الأعصاب، وأقصى ما يستطيعه المؤمن الملتزم عقيدة وسلوكا من موضوعية، وكل كائن ذي عقل حتما ملتزما من حيث يشعر ولا يشعر سواء في ذلك المعتقد وغيره المعتقد- فإنها ستنير لكل طالب حق إن لم يكن الحق فما يقرب من الحق، إذ في النهاية لا يعلم حق العلم إلا الله. ولكل أن يختار سبيله إلى الله حسب ما يمليه عليه ضميره واجتهاده.

ولقد اجتهد الأستاذ فرحات الجعبيري، وقام بدراسته بجد وإخلاص وحماس، واختار أن يركز بحثه على أصول الدين عند إباضية المغرب في الفترة التي تتراوح من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر. هـ (16 - 17 - 18 ميلاديا). فاستخدم لذلك، زيادة على ما توفره المراجع، المصادر الأساسية المطبوعة والخطية، وقام بتحقيقات ميدانية في مكتبات الأوساط الإباضية بالجزائر وليبيا وتونس وعمان، وقد ساعده على ذلك انتماؤه إلى المذهب الإباضي انتماء اعتقاد وسلوك.

إن هذا الكتاب الذي أنجزه الأستاذ فرحات الجعبيري يمكن أن يعتبر خدمة هامة وثمينة للفكر الإباضي والإسلامي عامة، ولوجه من وجوه حضارتنا المغربية التي هي في حاجة أكيدة إلى البحث حسب الطرق والأساليب الجامعية.

محمد الطالبي

تونس في 18/ 9/86

١٥ / ٩١٨