الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٩في التعريفات ويهمنا خاصة تعريف المصطلحات الأصولية وقد وجدنا أن كل التراث الذي جاء بعد هذه المرحلة يعتمد على هذه التعريفات اعتمادا كليا وصريحا.
تلك ملاحظاتنا عن هذه القرون التسعة فماذا عن القرون التي توسعنا في تحليل تراثها وهي القرون الثلاثة الموالية العاشر والحادي عشر والثاني عشر هجري؟
إن لاحظنا أن قطب الإشعاع كان مدينة وارجلان في القرن السادس هجري فإن تقصينا في التعرف على مؤلفي هذا التراث يثبت أن جزيرة جربة كانت قطب الدائرة في الحركية العلمية في هذه المرحلة. فالشماخي وإن كان من جبل نفوسة فإنه حط رحله بالجزيرة وحتى عندما أرخ لشرحه للعقيدة انطلق من حدث هام من أحداث الجزيرة وأما أبو سليمان التلاتي فكان منطلقه من الجزيرة واليها رجع، وبها ألف، ومنها أشع وناضل بالقول والعمل إلى أن مات شهيدا لجرأته في قول الحق وأما السدويكشي فقد نهل في ربوع الجزيرة وفي مدارسها العلمية المعارف، فاتضحت قدرته الكلامية- وإن لم يكتب كثيرا- في اعتداده بعقله وبقلة إحالاته على من سبق وأما المحشي- ولقبه غلب على اسمه لكثرة حواشيه- فقد استفاد من إقامته بالمدرسة الإباضية بالقاهرة بالإضافة الى نشأته في جربة، فاتضح طول باعه لا في علم الأصول فحسب بل في جل فنون العلوم الإسلامية، وفعلا فقد أشعت أسرة أبي ستة على الفكر الإباضي عامة أيما إشعاع ولوالد المحشي رسالة بعنوان:" المجموع المعول في ما عليه السلف الأول" تدل على المناخ العلمي الذي نشأ فيه المحشي وابنا عمه سليمان وأبو زيد وقد أثبتت حاشية كل منهم على " كتاب شرح الجهالات" وفرة المصادر والمراجع التي بين أيديهم والحرص على حسن استغلالها والفضل في جمع كل هذا الشتات يرجع إلى تلميذهم علي ابن بيان، ولولاه لصعبت الاستفادة من هذه الحواشي.