البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٨١

والرحلة الى طلب العلم والمتتبع سلسلة نسب الدين عند الإباضية بالمغرب يستحيل عليه أن يفصل بين علماء هذه المواطن.

وبعد بسط البعد الحضاري المتعلق بالمؤلفين يحسن أن نبين ذلك بالنسبة الى مؤلفاتهم.

يعتبر من نفل القول أن نشير إلى قلة الإنتاج الذاتي والمختصرات ووفرة الشروح والحواشي والأجوبة والردود فما هو السبب في ذلك يا ترى؟

إن هذه الظاهرة ليست خاصة بالإباضية بل هي عامة في التراث الإسلامي وكأن المسلمين أحسوا بأنه ليس في الإمكان أكثر مما كان فعكفوا على ما عندهم مع توقف ملكة الابتكار إلا في القلي النادر. واضح أن مثل هذا التفسير يقلل من قيمة الشروح والحواشي لكن أليست هذه الشروح والحواشي عملا فكريا؟ أو ليس اختيار المرء جزء من كيانه؟ ألا يستطيع الشارح أن يبدع أثناء الشرح وأن يتفطن إلى قضايا لم ينتبه اليها المؤلف وهل عرف الناس فكر أرسطو مثلا إلا عن طريق شراحه؟

وفي هذا المحيط تتنزل الشروح والحواشي التي كتبت في أصول الدين في هذه القرون فجعلها يدل على استيعاب واضح لما نظر في ما سبق مع فهم له وحسن استعمال فالمحشي والمصعبي والتلاتي ليسوا مجرد نقلة للنصوص وإنما يقارنون بين أقوال سلفهم ويرجحون قول هذا على ذاك. وهذا المنهج تتميز به عادة هذه الشروح على النصوص الأصلية لأنها تتخذ في الغالب منهجا واحدا من بدايتها الى نهايتها خاصة في القضايا التي ظهرت فيها مواقف متباينة عند الإباضية أنفسهم مثل قضية خلق القرآن وسنفصل فيها الحديث في الباب الثاني من هذا البحث. فالشروح حينئذ توفر بين يدي الباحث مجموعة من النصوص المتفرقة الى جانب موقف الشارح وهذا من شأنه أن ييسر على القارئ القدرة على الاستيعاب والاستنتاج وهؤلاء الشراح لا يكتفون بالإحالة على المصادر بل في أغلب الأحيان ينقلون كامل النص المقصود.

١٨١ / ٩١٨