البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٦٤

والملاحظ أن القضية بقيت في نطاق الصراع الفكري خاصة بعد انقراض المعتزلة واندماجهم في تيارات أخرى ولذلك لا نجد في رسائل الردود لهذه القضية أثرا، ذلك لأن المحيط الذي يتعايش معه إباضية المغرب أشعري ويغلب عليه الطابع المالكي والكل يقول بالكسب وإن وجدت بعض الفويرقات كما أشرنا إلى ذلك سابقا.

وهكذا تمضي القرون فيتبلور المفهوم شيئا فشيئا ليصاغ في متون أحيانا ومحللا أحيانا أخرى في دراسات مستقلة، أو في شروح لهذه المتون فتتضح ناحية التنظير ويذكر هؤلاء العلماء تعاريف للكسب تمكن من التعبير عن الفكر الاباضي في القضية في قالب نظري ميسر، لكن هذه التعاريف مهما بلغت فإنها لا تشفي الغليل كما ذكر قاسم الويراني، إلا أنها تقرب المعنى للإنسان.

والواضح من خلال هذه التعاريف أنها تجعل مفهوم الكسب عند الاباضية أقرب إلى مفهوم الكسب عند الماتريدي حيث يستركان في توسيع نسبة الاختيار بينما يظل الكسب عند الأشعري أقرب إلى الجبر، وإنك لتجد ذلك واضحا في الألفاظ المختارة للتحديد مثل الصرف، والميل، والترجيح، وفي كل هذا سعى الفكر الإباضي إلى أن يجعل للإنسان مسؤوليته مع تأدب مع الله تعالى في إرادته وعلمه وقدرته.

ولا يمكن أن نقف عند هذا الحد إذ ارتبطت بقضية القدر والكسب قضايا أخرى، فلنحاول أن نثبت كيف نظر الاباضية إلى هذا الارتباط.

٤٦٤ / ٩١٨