الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الأول الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٩

فوصلوا إليه فوجدوه قد انحجر في قعر بيته ليس له فترة من البكاء، فقالوا له: (مالك؟) فقال: (دعوني لما بي، قد وقعنا فيما حذرتكم عنه أول مرة) فقالوا له: (ما ذلك؟) فقال: (إني أتيت إلى حلقة حماد بن أبي حنيفة إذ جاءه رجل فقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: وما عسى أن أقول في القرآن؟ فقال له الرجل: هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال حماد بن أبي حنيفة: وما في هذا من العجب القرآن مخلوق.

فعمد يا إخوتي إلى كلام الله ونوره وضيائه الذي خرج منه وإليه يعود فجعله مخلوقا، فعظمت مصيبتي يا إخوتي في القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي خرج منه وإليه يعود، فأي مصيبة أعظم من هذه، فجعله مخلوقا وأي بلية أعظم منها، فكأن الله قبل خلقه كان غير عالم وغير متكلم يصفه بصفات العجز والحدث والحاجة والخلق، فجئتكم يا إخوتي اشكوا إلى الله تعالى وإليكم هذه المصيبة العظيمة والبلية الفادحة، ولقد أمرتكم يا إخوتي قبل هذا أن اعتزل مجالسهم حتى لا نسمع كلامهم وننتبذ ناحية في المسجد) فاستجاب القوم بالبكاء من كل ناحية، فقال بعضهم لبعض: (قد وجب علينا جهاد هؤلاء القوم، ولنرجع إلى ما كنا عنه ننهى أول مرة وقد حوجونا إلى ذلك).وقال بعضهم: (إنما اعتزلناه مخافة أن نقع فيما وقعوا فيه وكي نحيي سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأما إذا أبيتم فلا حاجة لنا إليكم) فتبرأ الفريقان بعضهم من بعض، وعمد الذين أرادوا منابذة القوم فقالوا: (لابد لنا من مخالطتهم) وغرضهم أن يقتبسوا من مناظرتهم وحيلهم في جدالهم فيرجعوا بما عليهم ويحاجوهم، فذهب بعضهم إلى المتكلمين فكان آخر العهد بهم، وبعضهم إلى القدرية فذهبوا بهم، وبعضهم إلى حلقة حماد بن أبي حنيفة فتفرقوا على الحلق ومكثوا فيها برهة، وذهب كل فرقة بمن صار إليها وحصل عندها، فاختلفوا آخر الأبد، ولم يجتمع منهم أحد مع صاحبه إلا ما كان من أبي الحسن الأشعري وهو الذي عقب وصار إمام الأشعرية، ثم أبو بكر بن الطيب بعده – وهو الباقلاني – فوقعوا في تشبيه الباري سبحانه خلافا للأفراق وانتكسوا إلى يوم التلاق.

ومنها زلة الزهري وهو أول من افتتح من الفقهاء أبواب الأمراء

١٩ / ٥٧١