المجلد الأول الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨حتى أتم (وذلك دين القيمة). فوقف فيها، واستفتح واصل الكلام وحمد الله تعالى وأثنى عليه فقال: (إن الله تعالى أنزل كتابه وبين فيه مراده فرد هذا عليه) وأشار إلى المرجي بعد قول الله تعالى: (وذلك دين القيمة) فقال هذا: (بل الدين أن تقول لا إله إلا الله ولو لم تلتبس بشيء من الأعمال الصالحات ولم تدع شيئا من الأعمال الطالحات). فالتفت إلى المثبتة فقال: (وهذا الذي قال إن ليس لنا حظ في الأعمال والأفعال وأشار أن الله تعالى جبرنا إلى أفعالنا بعد ما قال الله تعالى: (أولئك هم شر البرية) فكانوا هم شر البرية بفعل غيرهم، ثم قال في المؤمنين (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) إلى آخر السورة، فأثبت هؤلاء أن ليس لهم في الأفعال شيء إنما فعل بهم ورضي عنهم بما لم يفعلوا) وأخذ ذلك بمسامع عمرو بن عبيد وانتصب لمذهب القدرية فلم يقم له أحد فزل زلة عظيمة، ووددت أن لو حضرها النكار أن يعرض بهم في قولهم في الرضى والسخط والولاية والعداوة والحب والبغض.
وزلة السنية أيضا في خلق القرآن على يد شاكر الديصاني، وذلك أنه جاء إلى البصرة من أرض فارس، فتأمل حلق البصرة من المسلمين فيها فظهر له من علومهم وحلومهم وحذقهم شيء فاق الوصف، فأراد أن يلقنهم من البدعة ما يحول بينهم وبين دينهم، فتأمل الحلق كلها فلما يجد حلقة أرق قلوبا وأضعف نفوسا من حلقة أصحاب الحديث، فجاءهم فقال لهم: (يا قوم إني رجل من هؤلاء العجم دخل الإسلام في قلبي فجئت من بلادي إليكم فتأملت فلم أر حلقة يذكر فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كثيرا إلا حلقتكم فأتيتكم يا إخواني، فانظروا لنا كيف نعتزل هؤلاء القوم ونكون في ناحية من نواحي المسجد بمعزل وننتبذ عنهم ناحية حتى لا نسمع كلامهم ولا يقرع أسماعنا خطابهم، فقال القوم: (صدق، ونظروا إليه كلما ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شهق وبكى وحن وشكا، واستعمل الورع والوقار والبكاء والحنين حتى أخذ بقلوبهم، فلم يزل كذلك إلى أن تغيب عنهم بعض المدة فسألوا عنه فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: (قوموا بنا إلى الرجل ولعله مريض فنعوده فإن كان مريضا عدناه أو محتاجا واسيناه)