الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الأول الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢١

، والطبقة الثالثة: أهل تواصل وتراحم، والطبقة الرابعة: أهل تدابر وتنافر، والطبقة الخامسة: أهل هرج ومرج)) ومراد رسول الله عليه السلام في الأزمان بذكر الطبقة الأولى أهل عصره كما قال: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يحبون السمن تسبق يمين أحدهم شهادته)) فقال: خير القرون قرني: وهم الذين قال فيهم: أهل علم وهدى، ثم قال: ثم الذين يلونهم وهم أهل بر وتقوى، ثم قال: ثم الذين يلونهم وهم أهل تواصل وتراحم، ثم قال: ثم يأتي أقوام يحبون السمن تسبق يمين أحدهم شهادته وهم أهل تدابر وتنافر، فلم يكترث بأهل هرج ومرج.

وإنما صار القرن الأول علم وهدى لأنهم اقتبسوا العلم مما سبق لهم من أمور الدنيا، يفهمون عن النبي عليه السلام الدين تلقينا علما وهدى، وقبلوه يقينا علما وهدى، فكانت علومهم وبصائرهم أقوى من أعمالهم، فمن استقى من عنصر النبوة من ذات نفسه حصل له العلم والهدى بتوفيق الله تعالى وتسديده.

وأما أهل الطبقة الثانية: فإنما صاروا أهل بر تقوى لأنهم نشأوا في الإسلام من حال الصغر فألفوا فعل البر وسبقت إليهم المخاوف التي في الآخرة فغلبت عليهم التقوى.

وأما أهل الطبقة الثالثة: أهل تواصل وتراحم لأنهم غلبت عليهم المسودة الظلمة والملوك الفجرة، فحالوا بينهم وبين ما أفاء الله عليهم من الفيء وخراج الأرض والغنائم والعطايا فأعقبهم التراحم بينهم البين والتواصل بما قدر به بعضهم لبعض.

وأما الطبقة الرابعة: أهل تدابر وتنافر وذلك أنهم استولت عليهم الأئمة الضالة المضلة فلقنوهم الاسم الذي يأتوا به، ولقنوهم بعض أحزابهم في مفارقتهم في بعض مذاهبهم وآرائهم، ولقنوهم أن من لم يكن قويا في دينه ومذهبه فليس منهم على شيء، فوقعت الوحشة بينهم والعداوة والبغضاء فتنافروا وتدابروا وعزا كل واحد منهم لصاحبه مالا يقول، فرجع التدابر والتنافر بينهم البين بعد ما كان بينهم وبين أهل الشرك أعدائهم.

وأما أهل هرج ومرج: فحين فتر الإيمان عن القلوب وقل العلم وكثر الظلم وقست القلوب لطول المدة وفترت لخلو المادة

٢١ / ٥٧١