الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الثاني الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٥

لا يعرف البرهان ولا يقر به، فإذا ما عرف وجوه البراهين وأقر بها أمكنك الكلام معه، فإن لم يف بالشرطين جميعا كان الكلام معه لغوا، ولابد من معرفة الحق وإقراره به.

وقد تيقنت يا أخي بأن حجج القرآن أعظم الحجج، وبراهينه أعظم البراهين، ولن ينفك في جاهل منكر، حتى يقع الكلام في تثبيت القرآن أولا أنه حق من عند الله تعالى، فهناك نشرع في إيضاح القرآن له.

كما أنه محال يا أخي أن يرى اللون من فقد البصر، ويسمع الصوت من فقد السمع، ومحال أن يستعمل النحو فاقد اللغة، وأن يحسن اللغة أبكم، وأن يكون أبكم من ليس موجودا، فإذا حصل الوجود أكمن البكم، وإذا انطلق اللسان أمكن الكلام، وإذا أمكن الكلام أمكن النحو.

ومحال أن يعرف الحق ويقر به من لا يعرف البرهان، ومحال أن يعرف البرهان ولا يعرف طرقه، وهكذا عادة الله تعالى في الأمور كلها، فالمقدمة الأولى توكيد للبرهان وتمهيد طرقه.

وذلك أن العلوم البرهانية لا تتطرق إلى العباد إلا من أحد ثلاثة أوجه:-

إما عقلية، وإما لغوية، وإما شرعية.

وللعلوم العقلية قوانين، وللعلوم اللغوية قوانين، وللعلوم الشرعية قوانين، ولكل حد مطلع.

وعلى هذه العلوم الثلاثة ينبني البرهان ومنها يتركب، فمن لم يحسبها ويتعرف طرقها، استعجمت عنه براهين الدنيا، فضلا عن برهان واحد منها وأنا لا أدري أكنت تحسنها أم لا تحسنها.

فلو علمت أنك ممن يحسنها، لاقتصرت لك عن إيضاح الحق في سطرين، وأوضح لك البرهان في كلمتين، ولكن يا أخي سأشرع لك في إيضاحها

٢٣٩ / ٥٧١