المجلد الثاني الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٠٤الله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى). وعلى أن الملائكة لا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله – عز وجل – فما حاجته إلى شفاعتهم؟
دل قوله: ارتضى، أنه تحمل عنه، ولو لم يتحمل عنه لقال: لمن رضيه. وعلى أن جابر بن زيد قال: قال رسول الله عليه السلام: «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
ثم قال والله اعلم بما يروي عن أنس بن مالك أنه قال – قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». ففيه إثبات الشفاعة لأهل الكبائر وإن كان حديثه مرسلا، فما يمنع جابر بن زيد أن يأتي أنس بن مالك، وقد جمعه وإياه عصر واحد، وسبقه جابر إلى الموت.
وأعظم من هذا كله شفاعة الباريء سبحانه لعباده لقوله – عز وجل -: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه).
ومن وراء ذلك أيضا قوله غدا في المحشر لعباده المؤمنين: «تواهبوا فيما بينكم، وأما مالي عليكم فقد وهبته لكم».
وأخرى: أن الذنب الذي بين العبد وبين ربه يغفره الله تعالى، وما بين العباد لا يغفر إلا بإرضاء الخصوم.
وقول حذيفة بن اليماني لعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – حين سأله عن الفتنة فقال حذيفة: (أما فتنة الرجل في نفسه وماله وأهله، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة وصلة الرحم).
فقال عمر: (لست عن هذه أسألك إلا عن التي تموج موج البحر).
فقال حذيفة: (إن بينك وبينها بابا مقفلا).
فقال عمر: (أيسد أم يهد؟)
فقال: (بل يهد)