المجلد الثاني الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٢١فإن ترقى من الإيمان إلى الظن كان من الممدوحين الذين قال الله – عز وجل – فيهم: (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم).
فمن استظهر بعد هذا بالدليل والإعلام، وظهر له صنيع الله تعالى في الأنام إلتحق بدرجة أهل العلم وكان من العلماء الشاهدين والأولياء الراشدين. قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة … ) الآية. بخ بخ لمن استأثر الله تعالى به وانتزعه من جملة خلقه إلى كنفه وحيزه.
وإن ترقى قليلا حتى تمكن علمه في قلبه ورسخ وقوي حتى لا ينسخ، وكان لا يستوحش من جميع الخلق لو خالفوه ترقى علمه إلى درجة اليقين، ترقى إلى أعظم الدرجات وكان من الموقنين، وأصبح في الدرجة العليا من السابقين، وحسبك قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر».
فإن زاد قليلا وترقى وانتهى إلى المعرفة، فهناك تسكن نفسه إلى الرب، لما لاح له من ربه من علامات وإشارات تقع المعرفة له بها.
والمعرفة علم تقدمه علم، فعند ذلك يستوحش من جميع الخلق ولا يستأنس بأحد منهم، لما عوده من استجابة دعائه ومؤانسته في وحدته واصطناعه في مهماته، فهذه درجات التقرب إلى الله تعالى.
فإذا بلغ هذه المنزلة رفع الله – عز وجل – الحجاب بينه وبين خلقه وانكشف له الغطاء عن قلبه في جميع ما أراد الله تعالى أن يحدثه، آثره بعلم ذلك وخصه به، فكانت علومه من لدن الله – عز وجل – لا بواسطة من غيره، كما قال الله تعالى: (وآتيناه من لدن علما).