الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الثاني الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٢٢

فكان لا يحتاج مع هذا العلم اللدني إلى تعلم ولا تعليم، وصار فؤاده مرآة الخلق قد انطبعت فيه صورة كل شيء، كالمرآة التي تقبل صورة كل جسم قابلها.

فهو هذا عند العلم اللدني الذي أراده الله الخضر عليه السلام، فاستأثر موسى بعلم الشرائع، واستأثر الخضر بالعلم اللدني فكان في الخلق مطلق اليد كعزرائيل – صلى الله عليه – والروح الأمين جبريل عليه السلام في الشرائع، وميكائيل في الكون والفساد، وإسرافيل عليه السلام في الانخرام.

ومما يدلك على ما قلنا أن الله تعالى أخرج الخضر من حيز المكلفين ذوي الشرائع، فليس يلزمه إلا ما سنح في خاطره فعليه امتثاله، وليس عليه أن يأمر بالمعروف إذا رآه منا، ولا أن ينهى عن المنكر إذا رآه منا، ولا أن يدفع عن مظلوم، ولا قيام بحق معلوم، فحاله كحال الملائكة صلوات الله عليهم أجمعين.

وليس على الملائكة أن يظهروا إلينا فيأمرونا أو ينهونا، إلا إن أرادوا ذلك إلهاما وإعلاما.

فلذلك وقع التشابط بين موسى عليه السلام وبين الخضر، فهذا يعمل على أسلوب علمه في الإلهيات، وهذا يعمل بالشرعيات، وربك بكل شيء عليم، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن من العلوم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله – عز وجل – ولا يجهله إلا أهل الاغترار به، فلا تحقروا عالما آتاه الله علما، فإن الله لم يحقره إذ آتاه إياه».

٤٥٦ / ٥٧١