الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الثاني الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٤١

فإن قلت: كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا، وهو يشاهد عوالم السموات والأرض وسائر الأجسام المحسوسة، وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحدا؟

فاعلم أن هذه هي غاية علوم وأسراره لا يجوز أن تسطر في كتاب، وقد قال العارفون: (إفشاء سر الربوبية كفر). ثم غير متعلق بعلم المعاملة.

نعم ذكرنا ما يسكر سورة استبعادك وهو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار، ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار، وهذا كما أن الإنسان كثير إذا التفت إلى روحه وجسده، وأطرافه وعروقه، وعظامه وأحشائه، وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذا تصورت أنه إنسان واحد، وكم من شخص شاهد إنسانا ولم يخطر بباله كم كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده والفرق بينهما، وهو في حالة الاستغراق والاشتهار به مستغرق وليس فيه تفرق، فكأنه في حين الجميع [واحد] (1)، والملتفت إلى كثرته وتفرقه كذلك.

وكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق، له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة، وهي باعتبار واحد من الاعتبارات واحدة، باعتبارات أخرى سواها كثيرة، بعضها أشد كثرة من بعض.

مثال الإنسان – وإن كان لا يطابق الغرض، لكنه ينبه على الجملة على كيفية مصير الكثرة وحكم المشاهدة لو لم يستفد بهذا الكلام – ترك الإنكار والجحود بمقام لم تبلغه – وتؤمن به إيمان تصديق، ويكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا التوحيد نصيب، وإن لم يكن ما آمنت به صفتك، كما أنك إذا آمنت بالنبوة

٤٧٥ / ٥٧١