المجلد الثاني الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٥وكذلك من لم يشرح بنور اله صدره، قصرت بصيرته عن ملاحظة جبار السموات والأرض مشاهدة كونه قهارا، ورأى الكل، ووقف في الطريق على الكاتب، وهو جهل، بل أرباب القلوب والمشاهدات قد أنطق الله في حقهم كل ذرة في السموات والأرض بقدرته، الذي أنطق كل شيء، حتى سمعوا تسبيحها وتقديسها لله، وشهادتها على نفسها بالعجز بلسان ذلق، تتكلم بلا حرف ولا صوت، لا يسمعه الذي هم عن السمع لمعزولون.
ولست أعني به السمع الذي لا يجاوز الأصوات، فإن الحمار شريكه فيه، ولا قدر لما تشترك فيه البهائم، وإنما أريد به سمعا يدرك كلاما ليس بحرف ولا صوت ولا هو عربي ولا هو عجمي.
فإن قلت: هذه أعجوبة لا يقبلها العقل، فصف لي كيفية نطقها، وأنت كيف نطقت، وبماذا نطقت وسبحت وقدست، وشهدت على نفسها بالعجز؟
فاعلم أن الكل ذرة في السموات والأرض مع أرباب القلوب امتزاجا في السر، وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى، وأنها كلمة تستمد من بحر كلام الله الذي لا نهاية له. و (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لفند البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا).
ثم أنها تنادي بأسرار الملك والملكوت، وإفشاء السر لؤم، بل صدور الأحرار تنور الأسرار، وهل رأيت قط أينا على الأسرار للملك، قد يؤدي بخفاياه، فيؤدي على ملأ من الخلق.
ولو جاز إفشاء كل سر، لما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، بل كان يذكر لهم ذلك حتى يبكوا ولا يضحكوا، ولما نهى عن إفشاء سر القدر قال: «إذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القمر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا».