المجلد الثاني الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٧فكانت هذه الوجوه الثلاثة بحرا من البحور العظيمة التبيان، وخليجا من سائر الخلجان في جانب البحر المحيط الذي هو بحر المعاني، فتبارك الله أحسن الخالقين، وليقصر العيان عن ركوب هذا البحر الثاني.
ولنشر إلى أسماء الأعيان، ووجودها في الأذهان، وظهورها على اللسان.
وأما أسماء الأعيان، فإن الله تعالى خلق الخلائق فجعل اللغات، فجعل بعض الخلائق أسماءها منها، كالجسم والعرض والإنسان وأسامي الأعداد بهذا الاسم ذاتي، كالإنسان والحيوان وخمسة من الأعداد والسواد من الألوان والبياض.
اعلم أم ما لا ينفهم لك من الشيء إلا بمعرفة غيره فذلك الغير ذاتي له، كالعدد للخمسة والأربعة، واللون للسواد والبياض، فلن ينفهم لك السواد حتى ينفهم لك اللون، ولا الأربعة حتى ينفهم لك العدد.
والذاتي من الأسماء: ما يمكن الخمسة عددا، وأعم الأسماء الموجودة، ويطلق على الباري سبحانه وجودا واجبا، ويطلق على الغير وجودا ممكنا، فوجود الباري متعلق بمائية، ووجود غيره متعلق ماهيته.
والمائية: إشارة إلى الذات والوجود، والماهية: إشارة إلى الذات والصفة، فالأول متعلق بالهلهلة، والثاني متعلق بالكيفية.
فالأولون: أبصارهم مقصورة على الألفاظ أنها أسماء.
والآخرون: لاحت أبصارهم على المعاني هي الأسماء. والألفاظ والمعاني بحران عظيمان زاخران لجيان، وليس كل اسم ذاتيا، ولا كل اسم لفظيا، منها أسماء الأعيان، وأسماء الألفاظ سهام اللسان.
وأما سهام الأذهان فمنقسمة بين الأعيان واللسان، ومرجعهما إلى العلم، لأنك تعرف حقيقة اسم الشيء في ذهنك، وليس في ذلك ما يدل على ذات الاسم ولا عليه، وليس فيه أيضا ما يدل على أنه لفظه ولسانه.