من آداب صلاة الجمعة وأحكامها
الجزء ١ · صفحة ١٢و-كذلك-مِمّا ينبغي ألاّ يَفُوتَنَا أنّ السنَّة الرَاتِبَة التي نُصَلِّيها بَعْدَ الظُّهر-أَيْضا-نُصَلِّيهَا يوم الجمعة، وقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بِصَلاتِها أربَعًا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إذا صلى أحدكم الجمعة فلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أربعا ) وفي رواية: ( مَن صَلى بَعْدَ الجمعة فَلْيُصَلِّ أربَعا ) ولَكِن لا يَلْزَمُ أن تَكُون أربعا .. هَذَا الأمر لَيْس هو لِلْوُجُوبِ بِدليل أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها ركعتين .. هذا دَلِيلٌ عَلَى أنَّه يَجُوز أن تُصَلى ركعتين، فأمره - صلى الله عليه وسلم - لِبَيَان الأفضل، وفعله لِبَيَان أنَّه يَجُوزُ الاقْتِصَارُ على رَكْعَتَيْنِ(1)
(1) -قال الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي عند الجواب على السؤال 4 مِن حلقة 14 رمضان 1425هـ ( 29/10/2004م ): " السنّة البعدية بعد صلاة الجمعة-نعم-ثابتة، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإسناد الصحيح الثابت أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين .. هذا حديث صحيح ثابت لا كلام فيه.
وقد جاءت روايات تدلّ على أنه كان يصلي بعدها أربعا ولكنها لا تثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه، وإنَّما الثابت عنه الركعتان، وجاءت رواية قولية عند الإمام مسلم فيها الأمر بأربع ركعات ولها ألفاظ متعدِّدة منها: " مَن كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا " ولها ألفاظ قريبة مِن هذا اللفظ، ولذلك اختلَف العلماء في السنّة المشروعة وما هو الأوْلى فيها:
فمنهم مَن قال: إنه يصلي ركعتين.
ومنهم مَن قال: يصلي أربعا.
ومنهم مَن قال: يجمع بين الروايتين:
منهم مَن رجّح القولية-كما قلتُ-فقال يصلي أربعا لأنّ القول مقدم عند التعارض.
ومنهم مَن رجّح الفعلية لأنَّها أقوى مِن حيث الإسناد.
ومنهم مَن قال: يجمع بينهما .. يصلي ركعتين ثم يصلي أربعا.
ومنهم مَن قال: يصلي تارة ركعتين ويصلي تارة أربعا فيكون قد أخذ بهذه الرواية تارة وأخذ بالرواية الأخرى تارة.
ومنهم مَن قال بِالتفصيل فقال: إن صلى في المسجد فإنه يصلي أربعا وإن صلى في البيت فإنه يصلي ركعتين كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
و-كما قلتُ-الثابت مِن فعله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، وما جاء أنه صلى أربعا أو ستا فإنه لا يثبت عنه-صلوات الله وسلامه عليه-البتّة، والرواية القَوْلِيَة فيها نظر لأنها مِن طريق سهيل بن أبي صالح وَلَم تتّفق كلمة أهل العلم على توثيقه بل منهم المادح له ومنهم القادح فيه، فمنهم مَن لا يحتج براويته ومنهم مَن يرى أنّ روايته ثابتة ولاسيما في مثل هذه الأمور، وهو في الحقيقة يَحتاج إلى شيء مِن النظر ولاسيما عند المُخَالَفة فهو وإن لَم تكن روايته هاهنا مُخالِفَة في الفعل ولكن الأصل أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي بالأعمال أكثر مِن غيره وما قيل بأنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعله كان يطيل الركعتين فهي أطول مِن حيث الكيفية أو أنه - صلى الله عليه وسلم - نظرا لاشتغاله بالخطبة وما شابه ذلك كان يَخْتصر إلى الركعتين أو-على كل حال-هو تشريع، نقول: أمَّا بالنسبة إذا قيل: " هو تشريع " فلا كلام .. علينا أن نُسَلِّم لِما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن ذلك حيث لا يكون هنالك كلام في الرواية المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواية سُهَيل فيها ما فيها مِن الكلام.
فإذا اقتصر الإنسان على الركعتين الثابتتين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا لا شك فيه فذلك حَسن جَميل وإن صلى في بعض الأحيان أربعا فإذا كانت نفسه تطمئن إلى تلك الرواية فلا مانع مِن ذلك وإن صلى ركعتين أوّلاً ثم زاد بعد ذلك فأيضا لا بأس بذلك بِمشيئة الله تبارك وتعالى، ولكن الذي نستطيع أن نَجْزم بثبوته هو الركعتان وما عدا ذلك فهو مشكوك فيه لِما ذَكَرْتُه مِن الكلام في رواية سُهيل بن أبي صالح ففيها حقيقة مِن الكلام الذي لا تَطْمَئن النفس إلى قبول مثل هذه الرواية عنه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. ".