من أعلام الفكر الإباضي المعاصر: الشيخ سليمان الباروني باشا مجهول

من أعلام الفكر الإباضي المعاصر الشيخ سليمان الباروني باشا لـ؟؟

الجزء ١ · صفحة ١٦

حملته ريح الاغتراب مرة أخرى إلى الآستانة ،ثم أنقرة ،ولكنه وجد أن الأمور هناك قد تغيرت تماما وأصبح الحكام كماليين ،وهم أعداء الخلافة الإسلامية ،ولم يستقر به المقام هناك فحاول السفر إلى الشام..أو مصر،أو تونس،أو الجزائر ،ولكن الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي أجمع على محاصرة المجاهد خوفا منه ،ولم يجد حيلة إلى الخروج سوى التنكر تحت جواز سفر يحمل اسم سليمان بن عبد الله العثماني،فاجتاز(رومانيا)في طريقه إلى أوربا،واستقر المقام به في (باريس) ظانا أنه يجد هناك الحرية التي كانت تدعيها فرنسا،ولكن ما إن تفطنت السلطات الفرنسية إلى الحقيقة حتى فرضت عليه المراقبة الشديدة ،ومنعته من مغادرة فرنسا،وراح يتنقل بين (باريس)و(مرسيليا) ،وظل هناك يبذل كل المحاولات ليؤذن له بالخروج إلى بلد عربي ولكن دون جدوى.

غير أنه لم ييأس من المغامرة مرة أخرى فاستصدر جواز سفر جديد باسمه المنتحل وسافر به إلى تونس ،وما إن اكتشف أمره هناك حتى أعيد إلى منفاه مرة أخرى،ولم يفت هذا الحصار الاستعماري في عزيمته،ولا نال من إيمانه وهو يعيش هذه المحنة القاسية،محنة الاغتراب بعيدا عن وطنه وأهله وأبنائه .

ونلمس هذا النفس الإيماني القوي،وهذا الصبر الراسخ من خلال رسالة بعث بها إلى صديقه أبي اليقظان وهو في (مرسيليا)بتاريخ:(17 يناير1964م)وأرفق رسالته هذه رسما له وكتب معلقا:

"إن صاحب هذه الرسالة هو على ما تعلمونه ،وبناته اللواتي لبسن أفخر الثياب وأكلن ألذ الطعام،وسكن أعظم قصر في أجمل موقع في الأرض ،يأكلن اليوم خبز الشعير ،ويلبسن الصوف،ويغزلنه بالأجرة لمن كان يتلقى إحسانهن صباحا ومساء وتلك حال لا تدوم بإذن الله ،ويسكن دويرات بين كثبان رمل (زوارة)..ولومد صاحب الرسم يده،أو ألان جانبه لكان أغنى من قارون،ومع ذلك كله لم يتأثر حزنا،ولم يسهر أسى وأسفا،بل هو لم ييأس،ولم يزل يقول:

يودون موتي ولكنني على رغم أنفسهم لا أموت

١٦ / ٢٨