محمد بن محبوب
الجزء ١ · صفحة ٥5- الطور الخامس طور الجمود والانكماش والاندحار والتقلص والتقليد والتبلد الذهني : كرد فعل وانتكاص على عقب النكسات والاهزامات التي منيت بها الدول الإسلامية والمسلمون بصفة عامة والمشرق على أيدي المغول والتتر وفي المغرب على أيدي الأسبان والبرتغال، وانقرضت الدولتان العظيمتان الدولة العباسية من بغداد ـ العراق، والدول الأموية من غر ناطة و قرطبة أيام ملوك الطوائف، فاستكان المسلمون خاصة العلماء وطلبة العلم منهم فتفرقوا وانطووا على أنفسهم ورأوا أن لا داعي للاجتهاد وإعمال العقل إذ لم يعد ينفع لهم العالم أو الحياة على جديد وكل شيءمستطر في الموسوعات وما على طالب العلم والمعرفة إلا أن يستوعب ما فيها حفظا، فأغلقوا على أنفسهم باب الاجتهاد والجهاد بإجهاد عقولهم، وأقبلوا على حفظ بل اختصار تلك الموسوعات وحفظ مختصراتها، فصبغ واصطبغ الفقه وعلومه كلها، بل وكل العلوم اللسانية بصبغة الاختصار والألغاز مما دعاهم مرة أخرى على شرح وحل تلك الألغاز وفك غموضها وحل معضلاتها، وقد دارت العلوم الشرعية وآلياتها وطلابها ومريدوها في دوامة وحلقات مفرغة من الموسوعات إلى مختصرات ومن المختصرات الملغزة إلى الرجوع إلى مصادرها لشرحها وحل رموزها ومن الشروح إلى الحواشي ومن الحواشي إلى التعاليق ومن التعاليق إلى التعقيبات ومن التعقيبات إلى الردود ـ ردود البعض على بعض ـ إلى ما لا يكاد ينتهي، وإذا استطاع ذو همة وإرادة وصبر الوصول إلى نهاية فإنه قلما يحصل على نتيجة يطمئن إليها ويستمسك بها ويعض عليها بكلتا يديه وبنواجذه اللهم إلا على أساس التقليد أو التعصب المذهبي، وتلك أخطر فترة مرت بها الأمة الإسلامية، وقد دامت عدة قرون تجمد فيها الفكر الإسلامي، وتبلد فيها العلماء المسلمون وتلاميذهم، ونضبت عقولهم أو عقمت فلم تعد تنجب أو تنتج شيئا جديدا فأصبحوا يجترون الماضي وقلما يفقهون منه شيئا،والأمة الإسلامية سادرة في نوم عميق، كاد يكون