محمد بن محبوب
الجزء ١ · صفحة ٨٤إن هذه المغامرة في اقتفاء أثر محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي العماني لم تصل بنا إلى متاهة والحمد لله ــ إذ علمتنا التجربة أن أخبار علماء السلف نادرة، ذاك أنهم يسعون إلى إخفائها خشية الوقوع في الرياء والغرور، تلك سمة تكاد تكون قارة في الحضارة الإسلامية عامة وعند الإباضية خاصة وذلك لأنهم مطاردون غالباً، ويعيشون في حالة كتمان ــ بل إنها مغامرة مكنتنا من المرور على أخبار الإباضية من نشأتهم الأولى منذ انفصالهم عن المحكمة سنة 64/683 حيث اختاروا القعود والبناء الداخلي وانتظار الفرصة السانحة للظهور. وقد اختاروا البصرة منطلقاً لدعوتهم وأنشأوا هناك حركة علمية دعوية متجذرة في أصولها تواقة لمستقبل يرنو إلى سياسة العالم الإسلامي سياسة العمرين، وكاد يتحقق لهم ذلك بوصول أبي حمزة الإباضي إلى الحرمين الشريفين والانطلاق من هناك إلى دمشق حيث كانت الخلافة الأموية تحتضر، لكنها رغم احتضارها هذا استطاع مروان بن محمد الجعدي ( 72ــ132/792ــ 850 ) آخر خلفائها أن يئد هذه الحركة قبل أن تدرك مبتغاها، إلا أنه نال وخلافته ما تناله الدول الهرمة من غلبة الخلافة العباسية الناشئة.
كما مكنتنا مغامرتنا هذه مع محمد بن محبوب من أن نتابع مسيرة الإباضية حيث ظلوا يقيمون الإمامات الواحدة تلو الأخرى إلى أن تمكنوا من إقامة الإمامة الثانية بعمان، هذه الإمامة التي عاش في كنفها محمد بن محبوب هذا، إذ أثبتت المصادر العمانية وفاته بكل دقة في 3 محرم 260/ 29 اكتوبر 873. فمكننا هذا من افتراض تاريخ تقريبي لولادته
190/805 إنه حينئذ نصف قرن تقريبا من العطاء.