محمد بن محبوب
الجزء ١ · صفحة ٨٥وتستمر المغامرة مع هذا النصف قرن فتكشف لنا المصادر أنها ليست شحيحة بالإخبار عن الرجل ومحيطه كما هي الشأن غالباً. ذاك أنه ثبت أن عمان آنذاك كانت وريثة مركز الدعوة بالبصرة وبمكة، إذ آل دورهما إلى الزوال، وذلك خاصة بانتقال الربيع بن حبيب آخر أئمة أهل الدعوة بالبصرة إلى عمان رفقة ربيبه ووالد محمد بن محبوب ألا وهو أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي أشهر من كتب في سير الإباضية في زمانه.
وفعلاً أسفرت هذه الحركة العلمية عن قيام الإمامة الثانية بعمان ثلاث عشرة سنة قبل ولادة محمد بن محبوب تلك الإمامة التي زامن مترجمنا نصف حياتها.
وبهذا ثبت لدينا أن نشأته زامنت ازدهاراً سياسياً منطلقهُ إمامة شورية بأتم معنى الكلمة على الراعي والرعية فأنتج الكل عدلا وطمأنينة، كما زامنت ازدهاراً علمياً ثبت معه ثقل العطاء الإباضي للحضارة الإسلامية، ولم تكن هذه النشأة بمعزل عما يجري في العالم الإسلامي ذاك أن ديار أبي سفيان والد محمد مشهورة بمكة وإليه ثم إلى ابنه كانت ترجع إدارة موسم الحج سنوياً، وليس هنالك محطة أنسب من الحرمين الشريفين للتعرف على أخبار المسلمين عامة وأخبار الإباضية خاصة أن هؤلاء تمكَن شقهم المغربي من أن يقيم هو الآخر إمامة ظهور بتاهرت وهي الإمامة الرستمية التي أسسها رفيق الربيع بن حبيب العماني في مدرسة أبي عبيدة وهو عبد الرحمن بن رستم.
وفعلاً قد آتت مثل هذه النشأة في تربة خصبة أكلها بعد حين، فإذا بمحمد بن محبوب يشار إليه بالبنان في المحافل العلمية للبت في القضايا المطروحة في المحيط الإباضي، ثم إذا هو رأس مجلس أهل الحل والعقد لاختيار إمام الأمة ثم للاحتساب عليه وعلى الأمة وحل مشاكل الجميع قبل أن يختار قاضيا في صحار عاصمة الإمامة الثانية.
وبهذا تجلَت لنا أبرز سمات محمد بن محبوب وعصره، ونلخصها في الخطوط التالية :
1 ــ إنه شاهد على عصر من عصور الازدهار بأتم معنى الكلمة ببلاد عمان