ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الثالث الهجري: الإمام محمد بن محبوب نموذجا محمد بالحاج

محمد بن محبوب

الجزء ١ · صفحة ٩٥

والمتتبع لتطور الفقه وتشريعاته يجد أنه لم يبلغ أعلى مراتبه دفعة واحدة ، وإنما أخذ في السير متدرجا إلى مراتب الكمال حتى أوشك أن يبلغ ذروته ومنتهاه بعد القرن الثاني الهجري ، وقد جعل بعض الباحثين التطور الفقهي في أربعة أدوار حسب الزمن ويعتبر عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ تلقيه الوحي إلى وفاته أهم العصور الفقهية على الإطلاق ، ولم يدع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقها مدونا بل تلك القواعد والأحكام والأسس الموجودة في الكتاب والسنة كما لم يدون شيء من الفقه في عصر الخلافة الراشدة وهو باب أولى لأن السنة لم تدون ، حتى تبلور الفقه وتطور وتميز في نهاية القرن الأول على أيدي كبار التابعين وصغارهم وتابعي التابعين الذين أسسوا الفقه النظري بجانب الفقه العملي .

ولم يكد القرن الثاني يشرع في الاستهلال إلا والفقه قد نمى وازدهر ونهض نهضة ملحوظة على أيدي التابعين ، ومع بداية القرن الثاني ضبطت قواعد الفقه وظهرت بعض اصطلاحاته ، وشغل حيزا لا بأس به بين المدونات فكان عصرا ذهبيا للفقه ، وازداد تطوره أكثر فأكثر بنشوء المدارس والحركات الفقهية ، وليس من مقتضيات هذه الورقة التعرض لتلك الحركات بل أن الإشكالية الأساسية عمان فهل تطور التشريع الفقهي بها ؟ .. وكيف ؟ .. وما هي مراحله ومنابعه ؟

لم يحدثنا المؤرخون الإسلاميون الأول ولم تسعفنا المصادر عن تأسيس بعض الصحابة وكبار التابعين لمدارس علمية وفقهية بعمان على غرار تلك التي أقاموها بمكة والمدينة والبصرة والكوفة وغيرها ، ولا يعني هذا إطلاقا أن عمان كانت مقفرة من جهود أولئك الصحابة والتابعين ، إذ المتتبع للتاريخ وما بث في مضان الكتب التراثية يجد أن عمان لم تكن بمنأى عن تلك التيارات العلمية والفكرية إن لم يكن لها قصب السبق في ذلك ، فإنها وإن لم تحظ بالتدوين فإن الشواهد والبراهين على ذلك كثيرة .

٩٥ / ٢٣٥