بحث في تسليم الصلاة للقاروتي
الجزء ١ · صفحة ١٦وهذا هو المروي عن جماعة كبيرة من الصحابة، وهو قول مالك، والظاهر أنه عمل أهل المدينة في ذلك الوقت، وأيضاً هو قول الشيعة الإمامية والأوزاعي وهو أحد قولي الشافعي، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن من اقتصر على تسليمة واحدة فقد خرج من صلاته، وكذا حكاه النووي في شرحه على صحيح مسلم، انظر نيل الأوطار للشوكاني، وشرح النووي على مسلم.
احتج القائلون بالتسليمتين بعدة روايات أهمها:
1 - حديث مسلم وأصحاب السنن عن ابن مسعودرضي الله عنه وهذا الحديث هو معتمدهم الأكبر:
حدثنا زهير بن حرب حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن الحكم ومنصور عن مجاهد عن أبي معمر، أن أميراً كان بمكة يسلم تسليمتين، فقال عبد الله: أنى علقها.
قال الحكم في حديثه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله.
قال النووي في شرح صحيح مسلم: (فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه يسن تسليمتان).
نأتي الآن لنرى دلالة الحديث على التسليمتين.
- القصة تبدأ عندما يسمع ابن مسعود عن أمير في مكة -ولعله كان أيام الأمويين- يسلم تسليمتين، فيعرب عن استغرابه وتعجبه من فعل ذاك الأمير!، ويقول: "أنى علقها" أي من أين ظفر بهذه السنة العظيمة!!!!.
- الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي كل يوم خمس صلوات فضلاً عن السنن والنوافل ويحرص كل الحرص على تعليم الناس الصلاة، بحيث تصبح من الشرع المبلغ للجميع ويقول لهم "صلوا كما رأيتموني أصلي"، تأتينا هذه الرواية باستغراب ابن مسعود من تسليم ذاك الأمير تسليمتين!
- والسؤال: هل خفيت التسليمتان على الناس وظفر بها ذلك الأمير الأموي؟!، وابن مسعود يستغرب من أين حصل عليها؟!.
- صيغة الرواية غريبة جداً في ذلك، فاستغراب ابن مسعود من فعل ذاك الأمير يدل على أنه أمر ليس معروفاً في عهدهم بدرجة كافية، مع أن أمر هيئات الصلاة ليس من شأن الأمور التي يعلمها الأفراد القليلون كما بينا سابقاً.