تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

الخوف وعدم الاستقرار، ربطها بعبادة الله وحدَه، وعدم الإشراكِ به مهما يكن هذا الشيء، صَنماً يُعبد، أو جاهاً يُطلب، أو مالاً يُبتغى، أو سلطة يُسعى إليها، أو شخصًا يُؤَلَّه من دون الله، هذه كلُّها مظاهر تنفي إخلاص العبوديَّة لله وحده، فالإشراكُ له كلُّ هذه المعاني التي ذكرناها.

وقال في آية أخرى: ﴿(((((((((إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الحج:41)، فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - يربط مرَّة أخرى بين أسُس العبادة من إقامة الصلاة وإتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يربط بينها وبين الاستخلاف في الأرض والتمكين، لأنَّ هذه العبادات في مفهوم الإسلام، ليست عبادات شعائرية تعود بأجرها على القائم بها، كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنَّما هي أجرٌ لصاحبه، ومنفعةٌ عاجلةٌ أو آجلةٌ لخلق الله كلِّهم، لأنَّنا حين نتعمَّق معنى الصلاة مثلا: نجد لها أبعادًا حضارية واسعةً، تعودُ بالخير على الأمَّة كلِّها، وعندما نحلِّل منافع الزكاة نجدها عبادة يعود خيرها على المجتمع المسلم كلِّه، وعندما نتعمَّق الأبعاد الحضارية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نجدها أساسًا قويًّا لبناء المجتمع الصالح القائم على الخير والفضيلة.

إنَّ حرص الإسلام على بناء الأمَّة الخيِّرة هو الذي حدا به أبدا إلى أن يدخل في مفهوم العبادة السلوك السويَّ، والتعاملَ المستقيمَ بين أفراد مجتمعاته، إنَّ من المزايا الكبرى لهذا الدين قاعدتُه الأخلاقية العريضة الشاملة التي تشمل كلَّ أعمال الإنسان. لا شيء في حياة الإنسان يخرج من دائرة الأخلاق، لا سلوكُه، ولا فكرُه، ولا مشاعرُه، ولا أي لونٍ من ألوان نشاطه، سياسيًا كان

١٠٢ / ٢٠٧