تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

بوقت معيَّن، والحجِّ بوقت معيَّن، والزكاة بوقت معيَّن، دلالة قاطعة على أنَّ مفهوم العبادة أشمل وأعمق من الشعائر الدينيَّة، إنَّ شعائر التعبُّد لا يمكن بداهة أن تكون هي كل العبادة المطلوبة من الإنسان، فما دامت غاية الوجود الإنساني كما تنصُّ الآية الكريمة محصورةً في عبادة الله، فأنَّى يستطيع الإنسان أن يؤدِّي العبادة المطلوبة بالشعائر التعبُّديَّة فحسب(1).

إنَّ العبادة الصحيحة إذا طُبِّقت على الوجه الحقيقي الذي أراده الله لها، تؤدِّي حتمًا إلى بناء الحضارة الخالدة، حضارة التمكين في الأرض والسيادة في العالم لرخاء الإنسانية وسعادتها، وهذا حكم الله وسنة الله التي لا تتبدَّل ولا تتغيَّر: ﴿((((تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ (((((((((﴾ (فاطر:43)، أوَلم يصرِّح القرآن الكريم ومخاطب المسلمين المعنيين بالرسالة الخالدة: ﴿((((((اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور:55).

إنَّ الله سبحانه ربط بين التمكين في الأرض وبين الإيمان الصحيح والعمل الصالح، وهل تكون عبادةٌ صحيحةٌ دون عملٍ صالحٍ واستقامةٍ دائمة؟ ثمَّ إنَّه ربط بين الأسُس التي تُبنى عليها الحضارة، وهي الأمن والرخاء ونفي

(1) - محمد قطب، مصدر سابق، ص: 175.

١٠١ / ٢٠٧