تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٣

الإسلام دين الفطرة والعقل

وبعد هذا العرض عن الفطرة يتبادر إلى أذهاننا هذا السؤال: لكن ما الفرقُ بين الفطرة والعقل في الاهتداء إلى الله؟ لا بدَّ قبل أن نفرِّق بين الفطرة والعقل، أن نفهم ما هي الفطرة المؤدِّية إلى معرفة الله؟ ولنبدأ من البداية. لا يختلف اثنان في أنَّ الإنسان يُولد جاهلاً لا يعلم شيئًا، وقد وضَّح القرآن الكريم ذلك حيث يقول: ﴿((((((أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ (((((((((((﴾ (النحل: 78)، إنَّ الإنسان أخرجه الله من بطن أمِّه أمِّيا لا يعلم شيئًا ممَّا حوله، ولكن برحمته وعدله رزقه الأدوات التي تهديه إلى العلم وتُمكِّنه منه، وأعطاه الوسائل الضرورية الكافية ليسير على الطريق الصحيح حتى يصل إلى معرفة خالقه، ومن هذه الأدوات: السمعُ يلتقط به الصوت، البصر يُدرك من خلاله المرئيات، القلب يُدرك به معاني ما يسمع من أصوات وما يرى من مرئيات. وقد يعترض معترضٌ: وما الشأن فيمن يولد بلا سمع وبلا نظر، إنَّ أمره محلولٌ في الآية نفسها، وهو أنَّ الله سبحانه وتعالى، حتىَّ ولو حرمه نعمة الحاسَّتَين فإنَّه لم يحرمه أبدًا نعمة العقل والقلب ”والفؤاد“، كما جاء في الآية؛ يعني الاثنين، كما يذهب إلى ذلك أغلب المفسرين، ولا يمكن أن نتصوَّر إنسانًا يصل إلى إدراك حقيقة الأشياء عن طريق الحواس وحدها دون قلبٍ أو عقل، ولذلك نلحظ أنَّ الشريعة الإسلامية ربطت التكليف بالعقل وبالأفئدة، وهنا إشارة خفيَّة، إلى أنَّ طريق الإيمان الصحيح لو انطلق من الفطرة فإنَّه لا يكتمل

١٢ / ٢٠٧