تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

هو عدَّة المؤمن في الدنيا لينال رضا الله في الآخرة. ويكفي الصبرَ شرفًا أنه يجيء في القرآن مقرونًا بالصلاة، والتقوى، والإحسان، والعمل الصالح، والإيمان الثابت، وأن يغدو خُلقًا يتحلَّى به الأنبياء والمرسَلون، والصدِّيقون والشهداء، ويصبح سمةً لأهل الجنة جزاءً ما قدَّموا في دنياهم. فهو إذا قمَّة الإيمان، ورأسُ الفضائل، وحِليَة أولياء الله المتقين.

وردت كلمةُ الصبر ومشتقاتها حوالي: ثلاثين مرَّة في القرآن الكريم، وجاءت بصيغ مختلفة اسمًا وفعلاً ومصدرًا، وارتبطت بجميع ضمائر الخطاب المفردة والجمع، وبصيغ الفعل العادية والمبالغة. وخاطب بها الله سبحانه وتعالى رسولنا الكريم محمَّد - صلى الله عليه وسلم - تسع عشرة مرَّة بصيغة الأمر المفرد: ﴿((((((((((مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ (يونس:109)، ﴿(((((((((وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا ((((((﴾ (النحل:127)، ﴿(((((((((إِن وَعْدَ اللَّهِ ((((﴾ (غافر:55).

والذي لفت نظرنا في وُرُود هذه الكلمة ذات القيمة العظيمة أنَّها جاءت على صيغ الفعل المختلفة: الماضي والمضارع والأمر، ليدلُّ على أن الصبر لا يرتقي مكانته العظيمة إلاَّ مستندًا إلى صاحبه، أي إلاَّ عندما يغدو خُلقًا تتَّصف به نفسُ المؤمن ابتغاء وجه ربِّه، وفيها وفي سلوكه يتجسَّد هذا الخلق العظيم.

ويخبرنا القرآن عن أنواع من الصبر، يتحلَّى بها من كرَّسهم واختارهم وفضَّلهم من خلقه، ابتداءً بمحمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلى أولي العزم من الرسل، إلى سائر الأنبياء والمرسلين، إلى المؤمنين القانتين العابدين، إلى المجاهدين المتَّقين الذين شَرَوا أنفُسَهم بالجنَّة.

١٣٢ / ٢٠٧