تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٥القاعدة الثانية: ”التفكُّر في المخلوق يدلُّ على صِفاتِ الخالِق“:
يقول العلماء توضيحا لهذه القاعدة، إذا شئت أن تدرك الخالق، فكِّر في المخلوق، ولكي نوضِّح هذه القاعدة نقدِّم المثال التالي: ـ وتعالى الله عن المثل والشبيه، وإنَّما نقصد بذلك إلى التقريب فقط ـ أحيانًا تقع أعينُنا على قطعة من أثاث مصنوعةٍ باليد، وقد رُصِّعت بالصدف وحُلِّيت بأنواع الزينة، ينطق كلُّ ما فيها عن براعة صانعها ودقَّة عمله ومهارة يده، فلا نملك إلاَّ أن نعبِّر عن إعجابنا الشديد بها والتنويه بصانعها. ترى كم في الكون من حولنا من مخلوقات تجلَّت فيها براعة الصانع وعظمتُه، من أصغر مخلوقٍ إلى أكبر جرم سماويٍّ؟ لو تأمَّل الإنسانُ في لحظة انسجام مع نفسه في ليلة هادئة صيفية ساكنة، لو تأمَّل في السماء وهي تتلألأ بنجومها، أو تأمَّل الأفق ساعة الغروب بألوانه الخلابة التي لا تنتهي روعة وجمالاً، لو تأمَّل الإنسانُ كلَّ ذلك وغير ذلك من آيات الكون العظيم، ألا تدلَّه هذه المخلوقات المتقنة الصنع على صفة الصانع العظيم، لأنَّ البديهة تقول لا يمكن أن يوجد شيء في المصنوع إلاَّ إذا كان الصانع يملك القدرة على صنع ذلك الشيء، وهكذا سنجد أنَّ التفكُّر في المصنوع يدلُّنا على بعض صفات صانعه، ومن هنا نعرف أنَّ التفكير في المخلوقات يدلُّ على بعض صفات الخالق(1)، فقد أوضح الله سبحانه وتعالى هذه القاعدة من خلال الآيات البيِّنات التي لا تنتهي روعتها عند حدٍّ، حيث يقول: {((((فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ
(1) - عبد المجيد الزنداني وآخرون، الإيمان، ص 28.