تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

بالله المحتسبِ كلَّ شيء عنده ممَّا يقع به(1).

وإنَّ مجرَّد تلقِّي هذا الأمر العظيم بمثيل هذا الإيمان الثابت، واليقين الراسخ؛ هو بذاته انفراجُ الأزمة وزوال المحنة، وكذلك كان الأنبياء نفوسًا عظيمة لا تهتزُّ، وقلوبًا مطمَئِنَّة لا تختلج، وعقولاً نيِّرة لا تظلُّ ولا تتهاوى، غير أنَّ مثالين اثنين شهدا لهما القرآن الكريم بالمثالية المتناهية في الصبر والثبات، وهما سيدنا إسماعيل وسيدنا أيوب - عليه السلام -.

وقد تجلَّى صبرُ إسماعيل في مشهد إنسانيٍّ مؤثِّر وهو مستسلم النفس لقضاء ربِّه، وسكِّين أبيه إبراهيم على صفحة عُنُقه لإنفاذ ما أمر الله فيه .. وذلك ما يجلِّيه هذا المشهد القرآني البليغ الذي لا يُدانيه وصف أو بيان؛ يقول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿(((((((بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِن هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ((((﴾ (الصافات).

أيُّ نفسٍ لا تهتزُّ تأثُّرا بهذا المشهد المروِّع، مشهدِ أبٍ حنون أوَّاه حليم مثل إبراهيم يوسِّد فلذة كبده وقرَّة عينه ليذبحه بيده؛ إنَّه امتحان عسير وبلاء عظيم، لا يستطيعه ولا يتجاوزه إلاَّ من كانت طاقةُ الصبر في نفسه غزيرة لا

(1) 1 – أحمد فائز، طريق الدعوة في ظلال القرآن، ص: 203.

١٤٥ / ٢٠٧