تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٢٩لمناجاة ربِّه في سكون الليل، ويصوم نهاره فيأخذ حظَّه منها جميعًا، فسبحان من يقلِّب الليل والنهار، وما أعظم آلاء الله في تقلُّبهما، ولله في خلقه عِبَر وأسرار، وصدق الشاعر القائل:
فَيَا عَجَبًا كَيفَ يُعصَى الإله … أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجاحِدُ
ولله في كُلِّ تَحرِيكَةٍ … وَتَسكِينَةٍ أَبَدًا شَاهِدُ
وَفي كُلِّ شَيءٍ لِهَديِه آيةٌ … تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وما أروع وما أجمل هذه العبر حقًّا، إنَّ هذا الإنسان خُلق غافلا ضعيفًا جهولاً، هذه الآيات البيِّنات أمام أعيننا نراها كلَّ يوم بأبصارنا ونتقلَّب في نعيمها آناء الليل وأطراف النهار، ولكنَّنا لا نتفطَّن إلى أسرارها ومعانيها الجليلة، وهذا كلُّه يؤكِّد قوله تعالى: ﴿(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ ((((((((((﴾ (النور:35)، هو موجودٌ بنوره وهداه في كلِّ مخلوقاته الساكنة والمتحرِّكة، والحيوان، والجماد، والنبات، إنَّه تأكيد بالمشاهَد، وتذكير بالمحسوس، وإيقاظٌ للمشاعر بأسلوب بسيط سهل يدركه كلُّ عاقل، فقد أدرك جلال الله وعظمته كلُّ مخلوق، فسبَّحوا بحمده، وسجدوا لعظمته: ﴿((((((تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ (((((((((((﴾ (النور)، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى حين يعرضُ علينا تلك المشاهِد العظيمة الجليلة في الكون، يقول لعباده: أيُّها الناس إنَّكم لن تدركوا عظمة الله في ذاته، فادركوها في مخلوقاته. تلك المشاهد الأربعة التي هي استعراض لأعظم مشاهد الكون.