تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٥١

من أمور يشاهدها الإنسان العربي، لأنَّ القرآن نزل بالجزيرة العربية، وخاطب أوَّل من خاطب الأقوام الذين حُملت إليهم الرسالة المحمَّدية، إقامةً للحجَّة، وتحميلا للمسؤولية فنبَّه التفكير والنظر إلى ضروب من النباتات تعيش في الجزيرة العربية، موجِّها نظرهم إلى دقَّة صنع الله وإعجازه العظيم فيها، كما تدلُّ عليه الآيات السابقة، فالأراضي المختلفة تنبت جنَّات الزروع والأعناب، وهذا الاختلاف الذي لا يؤثر في الإنتاج، ثم هذا النخلُ الذي ينبتُ أحيانًا منفردًا، صنوان وغير صنوان، أحيانًا منفردًا وأحيانا يكون في الجذع الواحد صنوان، على الرغم من أنّه يُسقى بماء واحد فإنَّه يُثمر أنواعًا من التمور لا يحصيها العدُّ، ألوانا ومذاقات، وهنا التوحُّد الذي ينتج الأنواع الكثيرة، إلاَّ يدلُّ كلُّ ذلك دلالة واضحة على عظمة الخالق وإحاطته وعلمه بكلِّ شيء وقدرته على كلِّ شيء؟

ولمَّا كان التوحيد جوهرَ العقيدة وأساسَها، فإنَّه ركَّب في الإنسان كلَّ الوسائل التي يستطيع عن طريقها التوصُّل إلى توحيد الخالق - جل جلاله - لأنَّه إنَّما خُلق لهذا الغرض، فقد تناول الإمام الرازي في تفسيره الكبير، ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده - سبحانه وتعالى - وعلى توحيد براءته من الأنداد والأضداد. وقد استخرج العالم الكبير الرازي من قوله تعالى: {(((((((((((((إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ

٥٠ / ٢٠٧