تفسير سورة التكاثر لهلال الهاشمي
الجزء ١ · صفحة ٥بعد مقدمة سورة البقرة يأتي قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿. فالآيتان أمرنا بعبادة الله معللتان لذلك بأنه الخالق المنعم، ولمن كم من الناس يستجيبون لهذا الأمر؟ لا شك أن القليل هم المستجيبون، بدليل قوله تعالى: ﴾ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ { وحتى هذا القليل تلهيه الدنيا عن القيام بالشكر حق الشكر، وقد جاءت سورة التكاثر لتحدثنا عن انشغال الكثير من الخلق بالدنيا، ولم تحدد السورة هذا الانشغال عن ماذا.
بل حدّدت بماذا، والسياق يعرّفنا عن ماذا كان الانشغال ومحور السورة يحدّده كذلك، وهو الانشغال عن عبادة الله تعالى وتقواه، وهذا أول مظهر من مظاهر صلة سورة التكاثر بمحورها. وتنتهي سورة التكاثر بقوله تعالى }ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم{ وقد رأينا أن آيتي المحور حثتنا عن نعم الله علينا وطالبتنا بناءً على ذلك بالعبادة والتقوى والتوحيد، ولكن كثيرين لا يفعلون ذلك فهم يتنعمون ولا يشكرون، ومن ثم أنذرت سورة التكاثر بأن السؤال عن النعيم كائن، وهذا كذلك من مظاهر صلة سورة التكاثر بحورها من سورة البقرة.
وكما أن للسورة صلتها الواضحة بمحورها فلها صلتها الواضحة بما قبلها، فسورة القارعة انتهت بقوله تعالى } وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ } نَارٌ حَامِيَةٌ﴿11﴾﴿ وسورة التكاثر بدأت بقوله تعالى ﴾ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ { فلو قدرنا أن ألهاكم ألهانا عن العمل المنجي من النار لرأينا أن الصلة كاملة بين السورتين، ومن تأمل السورة وتأمل سورة القارعة فإنه يجد أكثر من وشيحة تربط بين السورتين.