مقاليد التنزيل لإدراك حقائقه بالتأويل (تفسير سورة الفاتحة) جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي أبو نبهان، الملقب بـ "الشيخ الرئيس"

تفسير سورة الفاتحة لجاعد الخروصي

الجزء ١ · صفحة ٢٣

وكذلك يتولد من بعض الضروريات أنواع من المعاني ، يستفيدها العقل بالكسب لها منها فتكون من الكسبي ، وكلها أرسل الله لمن أراد الله أن يرفع قدره ، وينشرح بنور الإسلام صدره . أو يقطع بالحجة البينة عذره ، بعد قيام الحجة بها ، أو بشيء منها في شيء من دينه ، نعم . وبأي وجه من ذلك في العدل اقتدى إلى الله اهتدى . ومن نازع الحجة التي بالهداية منها أتته ، فقد خالف الله شططاً ، وعصى رسله واتبع هواه ، وكان أمره فرطا . والمعنى في (( اهدِنَا الصِّرَاطَ )) ، ارشدنا إليه ، وقيل وثبتنا عليه ، وكلاهما في النظر حق ، لكون طريق الاستقامة في غاية الخفاء ، أحدّ من الشعرة على عقبة كؤود المسلك إلا على كيّس ذمر ، ليس بذي غمر . كثير الموانع شديد المقاطع ، فكم سائر ضل ، وكم قد زل ، ونيس لأهل التكليف من جوازه بُد ، فمن نعس فهوى في القرار ، هلك في النار ، ومن جاز فقد فاز ، لأن من وراء هذه الكلفة أعظم زلفة ، وأنت ترى أكثر الناس في هذه الدنيا كالفَراش فيها يتهافتون ، من ذروة هذا الصراط يهوون ، وبعضهم ينزلق فيرجع فيعلق ، فالتثبت عليه لا غناية عنه ، ولكونه يتمادى إلى آخر العمر . ولذلك اختلفت أحوال الناس في قطعة من لحظه إلى خمسين عاماً فما فوقها ، وأما ما بينهما حسب مدة الأعمار في هذه الدار .

( 16 )

٢٣ / ٢٨