تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٤٤

قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾. قال بعضهم: هذا حشر إلى النار. قال الحسن: ﴿عُمياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ عموا في النار حين دخلوها فلم يبصروا فيها شيئاً، وهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها. ﴿وَبُكْماً﴾ أي: خرساً انقطع كلامهم حين قال: [الله لهم] ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]. وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع. ﴿وَصُمّاً﴾ أي: ذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلا يسمعون شيئاً. وقال في آية أخرى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 100].

قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. وخبّوها أنها تأكل كل شيء: الجلد واللحم والعظم، والشعر والبشر والأحشاء حتى تهجم على الفؤاد، فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم، فإذا انتهت إلى الفؤاد خبت، أي: سكنت فلم تستعر بهم، وتركت فؤادهم ينضج، ثم يجدّد جلدهم فيعود، فتأكلهم، فلا يزالون كذلك. وهو قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56]. وقال مجاهد: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ أي: كلما طفئت أسعرت.

(2/ 297)

ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99)

قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ على الاستفهام. أي: إن هذا ليس بكائن؛ يكذّبون بالعبث.

قال الله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ وهم يقرّون أنه خلق السماوات والأرض. وهو قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزمر: 38] فخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، والله خلقهما؛ فهو ﴿قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾، يعني البعث، وقال في آية أخرى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [سورة يس: 81].

وقال: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه، أي: يوم القيامة. ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي: بالقيامة.

(2/ 298)

قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102)

قوله: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ يعني مفاتيح الرزق ﴿إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ﴾ [أي: خشية الفاقة] ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُوراً﴾ أي: بخيلاً يقتّر على نفسه وعلى غيره. يخبر أنهم بخلاء أشحاء، يعني المشركين. وقال بعضهم: ﴿قَتُوراً﴾ أي: مِسِّيكاً.

قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: يده، وعصاه، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: 130].

قوله: ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾. يقول للنبي عليه السلام: فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم موسى ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً﴾.

١٬٠٢٤ / ٢٬٠٨٣