تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٥٩

﴿مُّصْبِحِينَ﴾ أي: نهاراً ﴿وَبِالَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ يقوله للمشركين، يحذره أن ينزل بهم ما نزل بهم.

قال: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أي: الموقر بأهله، فرّ من قومه إلى الفلك. وكان فيما عهد يونس إلى قومه أنهم إن لم يؤمنوا أتاهم العذاب، وجعل العَلَم بينه وبينهم أن يخرج من بين أظهرهم وأن يفقدوه. فخرج مغاضباً لقومه، مكايداً لدين ربه، ولم يجز له ذلك عند الله، في تفسير الحسن. فخرج حتى ركب في السفينة. فلما ركبها فلم تسر قال أهل السفينة: إن فيكم لمذنباً. قال: فتساهموا فقُرِع يونس، وهو قوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. وقال مجاهد: من المسهومين. فأوحى الله إلى الحوت فالتقمه. وهو قوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهذا تفسير الحسن.

[قال بعضهم]: وبلغنا والله أعلم أن يونس دعا قومه زماناً إلى الله، فلما طال ذلك وأبوا أوحى الله إليه أن العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا، فلما دنا الوقت تنحّى عنهم. فلما كان قبل الوقت بيوم جاء فجعل يطوف بالمدينة وهو يبكي ويقول: يأتيكم العذاب غداً. [فسمعه رجل منهم، فانطلق غلى الملك، فأخبره أنه سمع يونس يبكي ويقول: غداً يأتيكم العذاب] فلما سمع ذلك الملكُ دعا قومه، فأخبرهم بذلك، وقال: إن كان هذا حقاً فسيأتيكم العذاب غداً، فاجتمِعوا حتى ننظر في أمرنا؛ فاجتمعوا.

فخرجوا من المدينة من الغد؛ فنظروا فإذا بظلمة وريح شديدة قد أقبلت نحوهم، فعلموا أنه الحق. ففرّقوا بين الصبيان وبين أمهاتهم، وبين البهائم وبين أمهاتها، ولبسوا الشعر، وجعلوا التراب والرماد على رؤوسهم تواضعاً لله، وتضرّعوا

١٬٥٢٧ / ٢٬٠٨٣