تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٦١

فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي نفسه في البحر فإذا هو بحوت فاتح فاه، ثم جاء إلى ذنب السفينة فإذا بالحوت فاتحاً فاه، ثم جاء إلى جنب السفينة فإذا هو بالحوت فاتحاً فاه، ثم جاء إلى الجانب الآخر فإذا بالحوت فاغراً فاه. فلما رأى ذلك القى بنفسه، فالتقمه الحوت. فأوحى الله إلى الحوت: أن لا تأكل عليه ولا تشرب عليه، وقال: إني لم أجعله لك رزقاً، ولكن جعلت بطنك له سجناً، فلا تقطع له شعراً ولا تكسر له عظماً.

فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة فنادى في الظلمات كما قال الله: ﴿أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال الله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ [الأنبياء: 87 - 88]. والظلمات ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت.

قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ﴾ وأوحى الله إلى الحوت أن يلقيه إلى البحر.

قال الله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: وهو مريض مثل الصبي. فأصابته حرارة الشمس فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهي القرعة، فأظلّته؛ فنام. فاستيقظ، وقد يبست. فحزن عليها. فأوحى الله إليه: أحزنت على هذه الشجرة وأردت أن أهلك مائة ألف من خلقي أو يزيدون، أي: بل يزيدون. وبلغنا أنهم كانوا عشرين ومائة ألف. فعلم عند ذلك أنه ابْتُلِي.

فانطلق فإذا هو بذَوْدِ غنم، فقال للراعي: اسقني لبناً، فقال: ما ها هنا شاة لها لبن. فأخذ شاة منها فمسح على ضرعها بيده، فدرّت بإذن الله. فشرب من لبنها. فقال له الراعي: من أنت يا عبد الله، لَتُخبِرَنِّي. قال: أنا يونس. فانطلق الراعي إلى قومه فبشّرهم به. فأخذوه وجاءوا معه إلى موضع الغنم فلم يجدوا يونس. فقالوا: إنا قد اشترطنا لربّنا ألا يكذب أحد منا إلا قطعنا لسانه. فتكلّمت الشاة بإذن الله وقالت: قد شرب من لبني. وقالت شجرة كان قد استظل بظلّها: قد استظل بظلّي. فطلبوه

١٬٥٢٩ / ٢٬٠٨٣