الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٩داوود، فيكذبونه ويستخِفّون به ويطردونه حتى كاد أن يموت من الجوع.
وقال مجاهد: كان يقول: لو عرفتموني لأطعمتموني، أنا سليمان ويكذّبونه.
قال الكلبي: لما انقضت المدة، ونزلت الرحمة عليه من الله، ألقى الله في أنفاس الناس استنكار الشيطان. فمشوا إلى آصف، أحد الثلاثة خزان بيت المقدس، فقالوا: يا آصف، إنا أنكرنا قضاء الملك وعمله، فلا ندري أنكرت مثل الذي أنكرنا أم لا. قال نعم، ولكن سوف أدخل على نسائه، فإن كن أنكرن مثل الذي أنكرنا فذلك أمر عام في الناس، فاصبروا حتى يكشف الله عنكم، فإن لم ينكرن منه مثل الذي أنكرنا فهو أمر خصصنا به، فادعوا الله لملككم بالصلاح.
فانطلق آصف فدخل على نساء سليمان، فسألهن عنه، فقلن: إن كان هذا سليمان فقد هلكنا وهلكتم، وقال مجاهد فأنكرته أم سليمان.
قال الكلبي: فخرج آصف إلى الناس فأخبرهم، فدعوا الله ربهم أن يكشف عنهم. فلما رأى الشيطان الذي فيه الناس من الغفلة كتبوا سحراً كثيراً على لسان آصف، ثم دفنوه في مصلّى سليمان وبيت خزائنه وتحت كرسيه، ثم أضربوا عنه. وفشا الاستنكار من الناس للشيطان، وانقضت أيامه، ونزلت الرحمة من الله لسليمان.
فعمد الشيطان إلى الخاتم فألقاه في البحر؛ فأخذه حوت من حيتان البحر. وكان سليمان يؤاجر نفسه من أصحاب السفن بنقل السمك من السفن إلى البر على سمكتين كل يوم. فأخذ في حقه يوماً سمكتين، فباع إحداهما برغيفين؛ وأما الأخرى فشق بطنها وجعل يغسلها، فإذا هو بالخاتم، فأخذه، فالتفت إليه الملاحون فعرفوه، فأقبلوا إليه، فسجدوا له. وكذلك تحية من كان قبلكم، كانت تحيتهم السجود، وجعل الله تحية هذه الأمة السلام، وهي تحية أهل الجنة.
قال الكلبي: فقال سليمان: فما آخذكم الآن على السجود، ولا ألومكم على ما تفعلون؛ وذلك الفعل هو أنه كان إذا أصابه الجوع استطعم فقال: أنا سليمان بن داوود، لو عرفتموني لأطعمتموني، أنا سليمان، فيكذبونه ويستخفون به.